فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 2003

بعد فرعون، ولكنَّ جبريل وقد حضرَ الواقعةَ، وسمعَ الكلمة، أوحى بها بأمرِ الله إلى نبيهِ محمد- صلى الله عليه وسلم- وبلَّغهُ كذلك بغيرها ممَّا وقعَ بينهُ وبين فرعونَ في لحظاتهِ الأخيرة، فقد أخرجَ الإمامُ أحمدَ والترمذي عن ابن عباسٍ- رضي اللهُ عنهما- قال قال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم-: لما قال فرعونُ آمنتُ أنَّهُ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال: قال لي جبريلُ: يا محمد: لو رأيتني وقد أخذتُ حالًا من حالِ البحر (وهو الطينُ الأسودُ في قاعِ البحر) فدسستُه في فيهِ مخافةَ أن تنالهُ الرحمة )) ( [12] ) . تلك واحدةٌ من أسرارِ القرآن، وهي معدودةٌ في دلائلِ نبوتهِ- عليه الصلاة والسلام- حتى قال الطبري: (( وفي أخبارِ القُرآن على لسانِ محمدٍ- عليه الصلاة والسلام- بهذه المغيباتِ التي لم تكن من علم العربِ، ولا وقعتٌ في حقِّ بني إسرائيل إلاَّ دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل قائمٌ عليهم بنبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم( [13] ) .

والحادثةُ بمُجمَلها تُؤكدُ نهايةَ الطُغيان، وهلاكُ المجرمين، ونصرةُ الحقِّ، ونجاةُ المؤمنين، وإذا كانت هذه الحقيقةُ بارزةً في هذا المشهدِ، والحقُّ ينتصرُ على مشهدٍ من الناسِ في هذهِ الحياة، فليسَ ذلك شأنُ القصصِ كلهِ في القرآن، إذ ليسَ أمدُ النصرِ ينتهي في هذهِ الحياة: وليسَ معنى النصر مقصورًا على النصرِ المحسوس للناس، فقد ينالُ النصرَ فردٌ أو مجموعةٌ من الصادقين، وإن خُيِّل للناسِ أنهم قد استضعفوا أو أُهينوا أَو غلبوا في هذهِ الحياةِ الدنيا، أجل لقد انتصرَ الخليلُ- عليه السلام- على الطُغاةِ وإن قُذف في النار، وانتصرَ أصحابُ الأُخدودِ وإن حُفرت لهم الأخاديد وأُحرقوا، وانتصر الغلامُ المؤمنُ وإن كانت روحهُ قد أُزهقت على ملأ الناسِ الذي لم يتمالكوا أنفسهم وقالوا: آمنا برب الغلام.

وهكذا يبدو النصرُ أشملَ من صورتهِ الظاهرةِ المحسوسة، وينبغي أن يعلمَ الناسُ أنَّ الثباتَ على المبدأِ الحقِّ حتى الممات نصر، وأن نصرُ المبادئِ والقيمِ نجاحٌ ونصر، وينبغي ألاَّ يُصاب الناسُ بالإحباطِ إذا لم يشهدوا نصرَ الحقِّ وأهلهِ في هذه الحياةِ الدنيا، فليست هذه الدارُ نهايةُ المطاف، بل وليست أعمارُهم هم مستغرقةً لكلِّ هذه الحياةِ الدنيا، وقد يشهدُ أبناؤُهم أو أحفادُهم النصرَ الذي بُذرت بذورهُ الأولى في عهد آبائهم وأجدادهم، ولهذا أوحى اللهُ إلى نبيه- صلى الله عليه وسلم- فيما أوحى (( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون ) ) ( [14] ) ، وأوحى إليه أيضًا (( فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون ) ) ( [15] ) .

كلُّ ذلك حتى لا يستعجلُ النصرَ، ولا يتعلقُ به أكثر، وتعلقهُ بتهيئةِ أسبابهِ والصبرِ

على متطلباته.

تلكَ قيمةٌ كُبرى من قيم القرآن، وعبرةٌ عُظمى من عِبر التاريخِ، لابُدَّ من وعيها. وللهِ الأمرُ من قبلُ ومن بعد، ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت