فهرس الكتاب

الصفحة 1109 من 2003

الخطبة الثانية

الحمدُ لله الواحدُ القهار، ذي الجبروتِ والسلطان، وأشهدُ ألا إله إلا اللهَ وحدهُ لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسولهُ، اللهمَّ صلِ وسلم عليهِ وعلى سائرِ أنبياءِ الله ورسله، وارضِ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعينَ ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

إخوةَ الإسلام: ثمةَ دَرسٌ ثالث، وقيمةٌ كبرى نستفيدُها من قصصِ القرآنِ ألاَّ وهي الحفاظُ على النصر، ومضاعفةُ الشُكرِ حين تتضاعفُ النعم، وكما يمتحنُ اللهُ بالضعفِ والذلةِ والهزيمةِ والمطاردةِ، يمتحنُ كذلك بالقوةِ والعزةِ والنصرِ والتمكين، فمنَ الناسِ من يصبرُ حالَ الضعفِ والقلةِ، ولا يشكرُ في حالِ القوةِ والكثرة، والمؤمنونَ الصادقون: هم الذين يصبرون في الضراءِ، ويشكرون في السراءِ، قال -عليه الصلاة والسلام ("عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرهُ كلهُ لهُ خير وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتهُ ضراءَ صبر فكان خيرًا له، وإن أصابتهُ سراءَ شكرَ فكان خيرًا له") رواه مسلم.

ووصفَ اللهُ عبادهُ الذين يستحقون التمكينَ في الأرض ويستحقون النصرَ بقوله: (( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ) ( [16] ) .

وتعالوا بنا إخوةَ الإيمانِ لنقرأَ على عجلٍ شيئًا من تاريخِ هذهِ الأُمة التي نُصرت ورأت من آياتِ الله الباهراتِ ما رأت، هل قدرت هذا النصرُ وأورثها التُقى والهدى، وإتباع المرسلين، أم زاغت وحرفت وبدلت وآذت المرسلين؟.

إنَّ تاريخَ بني إسرائيل شهدَ من المعجزاتِ على يدي موسى- عليه السلام- ما لم تشهدهُ أمةٌ من الأُمم قبلهم، وشهدَ في الوقتِ نفسهُ من الحيلِ والصدودِ والإيذاءِ لموسى- عليه السلام- ما يجلُّ عن الوصف، وحُذرت هذه الأمةُ أن تسلكَ مسلكهم، (( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) ) ( [17] ) .

وإليكم طرفًا من سيرتهم: ذكرَ أبو بكر بن أبي شيبةَ عن قيس بن عباد، أنَّ بني إسرائيل قالت: وما مات فرعونُ وما كان ليموت أبدًا، فلمَّا أن سمعَ الله تكذيبهم بنبيهِ- عليه السلام- رمى به على ساحلِ البحر كأنَّهُ ثورٌ أحمر يتراء هُ بنو إسرائيل، فلمَّا اطمأنوا وبعثوا من طريق البرِّ إلى مدائنِ فرعونَ، حتى نقلوا كنوزهُ وغرِقوا في النعمةِ، رأوا قومًا يعكُفونَ على أصنامٍ لهم، قالوا يا موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، حتى زجرهم موسى وقال: (( أغير الله أبغيكم إلهًا وهو فضلكم على العالمين ) )- أي عالمي زمانه- ثُمَّ أمرهم أن يسيروا إلى الأرضِ المقدسةِ التي كانت مساكن آبائهم، ويتطهروا من أرضِ فرعون، وكانت الأرضُ المقدسةِ في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها، فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال، فقالوا: أتريدُ أن تجعلنا لحمةً للجبارين، فلو أنكَ تركتنا في يدِ فرعونَ لكان خيرًا لنا، فدعا عليهم وسمَّاهم فاسقين، فبقوا في التيهِ أربعين سنةً عقوبةً لهم، ثُمَّ رحمهم فمنَّ عليهم بالسلوى والغمام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت