ثُمَّ سارَ موسى- عليه السلام- إلى طورِ سِيناء ليجيئهم بالتوراةِ فاتخذوا العجل، ثُمَّ قيل لهم: قد وصلتم إلى بيتِ المقدسِ فادخلوا الباب سُجدًا، وقولوا حطة، فبدلوا وأنزلَ اللهُ بهم كما في القرآن الكريم، وكان موسى عليه السلام شديدُ الحياءِ ستِّيرًا وكانوا هم يغتسلون عُراةً يرى بعضهم عورةَ بعض، فقالوا: ما استتر إلاَّ أنَّهُ (آدر) - أي من عيبٍ خُلقي في خصيته- حتى كشفَ اللهُ لهم الحقيقةَ حينما ذهبَ الحجرُ بثوبه فأبصروهُ لا عيبَ فيه، ولما ماتَ هارونُ قالوا: أنت قتلتهُ وحسدته، حتى نَزلتِ الملائكةُ بسريرهِ وهارونَ ميت عليه إلى غير ذلك من مواقفهم المُشينةِ حتى بلغَ بهم الأمرُ أن بدَّلوا التوراة، وافتروا على الله، وكتبوا بأيديهم ما لم يأذن بهِ الله، واشتروا به عرضًا من الدنيا، ثم صار أمرُهم إلى أن قتلوا أنبياءَهم ورسلهم، فهذه مُعاملتهم مع ربهم، وسيرتهم في دينهم، وسوءَ أخلاقهم ( [18] ) .
أجل لقد شاءَ اللهُ أن تكون هذه الأمةُ نموذجًا لمن بغى وتجبر، وأعرضَ وأنكل، بعد أن أبصرَ من آياتِ الله ما أبصر، فأحل اللهُ بهم بأسه، ومسخهم قردةً وخنازير، وألحقهم بمن سلفهم، وكذلك تُعمى القلوبُ وتُصمُ الآذانُ عن رؤيةِ الحقِّ وسماع الهُدى لدى القومِ الفاسقينَ الغافلين، وصدقَ اللهُ (( وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) ) ( [19] ) .
إخوةَ الإيمان: هذه الملحمةُ الكُبرى، وهذا النصرُ المبينُ لحزبِ الله المؤمنين، والغرقُ والهلاكُ للطغاةِ والمفسدين، وقعَ كلهُ في العاشرِ من هذا الشهرِ- شهرُ الله المحرم- وعليه فيومُ عاشوراءَ يومٌ من أيامِ الإيمان، ومناسبةٌ تستحقُ الشكرَ والعرفان- بما شرعَ اللهُ لا بما يهوى البشرُ، ولا بما يتوارثهُ أصحابُ النحلِ والملل والأهواءِ الفاسدة.
وقد قدَّرَ المؤمنونَ على مدارِ التاريخ هذا اليومُ وعظموه، وكانت اليهودُ يصومونه ويقولون: إنَّ موسى- عليه السلام- صامهُ شُكرًا لله، فصامهُ الرسولُ- صلى الله عليه وسلم- وقال: ("نحنُ أحقُّ بموسى منكم") ، بل كانت العربُ في جاهليتها تصومُ ذلك اليوم وتعظمه، وتكسو فيه الكعبة ( [20] ) ، وأمرَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- بمخالفةِ اليهودِ، وصيامُ التاسع مع العاشر، فقال: ("إن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع") (يعني مع العاشر) ( [21] ) .
وصيامُ التاسعِ مع العاشر هو أصحُّ ما جاء، وعليه أكثرُ الأحاديث، أمَّا حديثُ ("صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده") فالمرفوعُ منه للنبي- صلى الله عليه وسلم- ضعيف.
والموقوفُ: على ابن عباس- رضي الله عنهما- صحيح ( [22] ) وكذلكَ حديثُ ("صوموا يومًا قبلهُ ويومًا بعده") ( [23] ) .
وإن كان ابنُ القيم ذكرَ مراتب صيامه فقال: (( أكملُها أن يصامَ قبلهُ يومٌ وبعده يوم، ويلي ذلك أن يصامَ التاسعَ والعاشر، وعليه أكثرُ الأحاديث، ويلي ذلك إفرادُ العاشر وحدهُ بالصوم ) ) ( [24] ) .