فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 2003

و"الشريعة"التي سنَّها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية . بمعنى أنها متصلة بناموس الكون العام ، ومتناسقة معه ..

ومن ثم فإن الالتزام بها ناشئ من ضرورة تحقيق التناسق بين حياة الإنسان ، وحركة الكون الذي يعيش فيه .. بل من ضرورة تحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة . وضرورة الالتئام بين الشخصية المضمرة والشخصية الظاهرة للإنسان ..

ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية ، ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام - ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له - رضوا أم أبوا - فإنهم - من ثم - لا يملكون أن يشرعوا لحياة البشر نظامًا يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون ، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة . إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر ، ومدبر أمره وأمرهم ، وفق الناموس الواحد الذي اختاره وارتضاه .

وكذلك يصبح العمل بشريعة الله واجبًا لتحقيق ذلك التناسق ..

وذلك فوق وجوبه لتحقق الإسلام اعتقادًا . فلا وجود للإسلام في حياة فرد أو حياة جماعة ، إلا بإخلاص العبودية لله وحده ، وبالتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله وحده ، تحقيقًا لمدلول ركن الإسلام الأول: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله .

وفي تحقيق التناسق المطلق بين حياة البشر وناموس الكون كل الخير للبشر ، كما أن فيه الصيانة للحياة من الفساد .. إنهم - في هذه الحالة وحدها - يعيشون في سلام من أنفسهم .. فأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركتهم مع حركة الكون ، وتطابق اتجاههم مع اتجاهه .. وأما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم مع دوافع فطرتهم الصحيحة ، فلا تقوم المعركة بين المرء وفطرته ، لأن شريعة الله تنسق بين الحركة الظاهرة والفطرة المضمرة ، في يسر وهدوء .. وينشأ عن هذا التنسيق تنسيق آخر في ارتباط الناس ونشاطهم العام ، لأنهم جميعًا يسلكون حينئذ وفق منهج موحد ، هو طرف من الناموس الكوني العام .

كذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق إهتدائها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون ، والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه ـ واستخدام هذا كله وفق شريعة الله ، لتحقيق الخير البشري العام ، بلا تعارض ولا اصطدام .

ومقابل شريعة الله هو أهواء البشر:

* وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ * ... [ المؤمنون: 71 ] .

ومن ثمَّ توحد النظرة الإسلامية بين الحق الذي يقوم عليه هذا الدين ، والحق الذي تقوم عليه السموات والأرض . ويصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، ويحاسب الله به ويجازي من يتعدونه .. فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت