فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 2003

حق واحد لا يتعدد ، وهو الناموس الكوني العام الذي أراده الله لهذا الوجود في جميع الأحوال ، والذي يخضع له ويؤخذ به كل ما في الوجود من عوالم وأشياء وأحياء .

* لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ ، وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ، لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ ، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ، لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ، وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ * ... [ الأنبياء: 10 - 20 ] .

وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها ، فطبيعة تكوينه وطبيعة هذا الكون كله من حوله ، توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق ، وأن الحق أصيل فيه ، وأنه ثابت على الناموس ، لا يضطرب ، ولا تتفرق به السبل ، ولا تختلف دورته . ولا يصطدم بعضه ببعض ، ولا يسير وفق المصادفة العابرة والفلتة الشاردة ، ولا وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة ! إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديرًا ..

ومن ثم يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها ، تحت تأثير هواه ، وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله ، وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه !

ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال ، كما يقع بين البشر والكون من حولهم ، فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء ، بدلًا من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان .

وإذن فإن الهدف الظاهر من قيام شريعة الله في الأرض ليس مجرد العمل للآخرة . فالدنيا والآخرة معًا مرحلتان متكاملتان ، وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين في حياة هذا الإنسان . تنسق الحياة كلها مع الناموس الإلهي العام .

والتناسق مع الناموس لا يؤجْل سعادة الناس إلى الآخرة ، بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك ، ثم تتم تمامها وتبلغ كمالها في الدار الآخرة .

هذا هو أساس التصور الإسلامي للوجود كله ، وللوجود الإنساني في ظل ذلك الوجود العام ، وهو تصور يختلف في طبيعته اختلافًا جوهريًا عن كل تصور آخر عرفته البشرية ، ومن ثم تقوم عليه التزامات لا تقوم على أي تصور آخر في جميع الأنظمة والنظريات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت