فهرس الكتاب

الصفحة 1136 من 2003

وحتى لا يعمى الأمر أو يختلط لدى أصحاب القلوب المريضة من المنافقين، وحتى تتميز لديهم بالدليل القاطع صفات أهل الإيمان الذين لا يجوز التعدي عليهم ولا تسليمهم ولا خذلانهم ولا معاداتهم ولا مناصرة عدوهم، عن صفات أهل النفاق الواضح أمر نفاقهم بمسارعتهم في أهل الكفر، والبين أمر موالاتهم لعدو الله وعدوهم.. أفصح القرآن عمن تجب موالاتهم ومناصرتهم والوقوف بجانبهم ومؤازرتهم وعدم تسليمهم أو خذلانهم فقال في محكم آياته بأسلوب القصر موجهًا خطابه لمن بقي منهم على الإيمان وجهل حقيقة أمره: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.. المائدة/ 55) ، فموقع هذه الجملة- على ما أفاده أهل التفسير- موقع التعليل للنهي عن معاونة أعداء الله أو اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، إذ الأصل أن تكون ولاية أهل الإيمان لله ورسوله مقررة عندهم بموجب ما أظهروه من إسلام، وبالتالي يكون ولاؤهم للمسلمين، لأن من كان الله وليه لا يكون أعداء الله أولياءه، وتفيد هذه الجملة تأكيد النهي عن ولاية اليهود والنصارى.. فهي جملة خبر مستعمل في معنى الأمر، والقصر المستفاد فيها من (إنما) قصر حقيقي، وإجراء صفتي (يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) وكذا جملة (وهم راكعون) للثناء عليهم، ومعنى أن يكونوا أولياء للذين آمنوا أن يناصرونهم ويعاضدونهم ويكونون منهم ومعهم ضد عدوهم كالبيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فهو في معنى قوله تعالى: (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) .

ويجئ هذا الأسلوب القصري على غرار ما جاء في سورة المائدة عقب نداءين محببين لأهل الإيمان، أولهما: أتي بعد تهيئة النفوس لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب الذين بدت محاولاتهم في تضليل المسلمين والنيل منهم، فيشبه من تولاهم في استحقاق العذاب بواحد منهم (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ، كذا في صورة الشرط والجواب، وقد استحق هذا الذي أضحى واحدًا منهم أن يكون كذلك، لأنه كما ذكر القرطبي"خالف الله ورسوله كما خالفوا، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم، ووجبت له النار كما وجبت لهم، فصار منهم أي من أصحابهم"، فإنه ومن كان على شاكلته على حد قول الآلوسي:"بالموالاة يكونون كفارًا مجاهرين"،"وهذا- كما في تفسير الرازي- تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين"، يقول ابن عطية:"من تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلالٍ بالإيمان، فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم"، ويدخل فيما ذكره أهل التأويل- بالطبع ومن باب أولى- ما يحدث في أيامنا من مشاركة لهم في حربهم لمسلمي الفلوجة والموصل وأفغانستان وكل من كان على دينهم من أهل الإيمان، ومن إدلائهم على عورات المسلمين، ومن فتح أيٍّ من مجالات بلدان المسلمين برية كانت أو بحرية أو جوية أمامهم، ومن وضْعِ الحواجز ومنع المتناصرين من حربهم، ومن إنفاذ مخططاتهم في إهلاك حرث المسلمين ونسلهم، ومن إضفاء شرعية على الحكومات الموالية لهم .. إلى غير ذلك مما تقع فيه الأنظمة العربية والإسلامية وبمساندة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت