فهرس الكتاب

الصفحة 1137 من 2003

أحيانا من علماء سلطاتهم، فإن هذا كله لا يتأتى إلا من ضعاف إيمان ومرضى قلوب (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) والدائرة المخشية هنا هي خشية انقضاض المسلمين على المنافقين، والأرجح أنها خشية"أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين فتكون لهم- على حد ما ذكر"

ابن كثير- أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك"، وما ذكره الحافظ هو ما يشهد له في أيامنا سطوة الباطل وهيمنة أهل الكفر كما أنه المتناسب مع واقع المسلمين الآن ومع ضعفهم."

وتفيد كلمة المفسرين أن قول (نخشى أن تصيبنا دائرة) صدر عن عبد الله بن أبي بن سلول وذلك حين عزم r على قتال بني قينقاع الذين كانوا أحلافًا لابن سلول ولعبادة بن الصامت فلما رأى الأخير منزع رسول الله جاء فقال: (يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا أولي إلا الله ورسوله) ، وكان عبد الله ابن أبي حاضرًا فقال: (أما أنا فلا أبرأ من حلفهم فإني لا بد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر) ، وما قالاه وفعلاه إنما يمثل الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق في كل عصر فليس العبرة بخصوص السبب بل بعموم اللفظ، والتاريخ دائمًا وأبدًا ما يعيد نفسه، ويؤكد موقف ابن سلول، أن المنافق لا دين له ولا عهد وأن تأرجحه بين الإيمان والكفر إنما هو لأجل الدنيا فهي ذاته ودائرته التي يعيش لها ويميل معها حيث مالت ويدور معها حيث دارت.

وقد اقتضى تحذير أهل الغفلة والنفاق من أعدائهم الذين يبغون صرفهم عن دين الله، ألا يخرجهم من دائرة الإيمان وأن ينبههم سبحانه من خلال نداء ثان على أن صلاحهم في ملازمة الدين والذب عنه، وأن الله لا يناله نفع من ذلك وإنما يعود نفعه عليهم، وأنهم لو ارتد منهم فريق أو نفر لن يضر الله شيئًا وسيكون لهذا الدين أتباع وأنصار وإن صد عنه من صد (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) .

كما دعا اعتراض هذا النداء بين ما قبله وبين جملة (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ، مناسبة الإنذار في قوله (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) ، في إشارة إلى أن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء طريق وذريعة مؤدية إلى الارتداد، لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى يخشى منه أن ينسل عن الإيمان فريق، فأنبأ المترددين ضعفاء الإيمان إن هم اختاروا طريق الموالا ة المنهي عنها، بأن الإسلام غني عنهم .. وأتى بجملة (فسوف يأتي الله بقوم.. إلخ) ، لبيان أن وعد الله آت لا محالة، ولإظهار الاستغناء عن المنافقين الذين في قلوبهم مرض وقلة الاكتراث بهم، وتطمين المؤمنين بأن الله يعوضهم بالمرتدين خيرًا منهم، وطمأنتهم- فيما يشبه المحصلة من ذلك- بأن (من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون.. المائدة/ 56) ، واستغنى هنا عن جواب الشرط وهو الإيذان بوعد الله وبأن هذا الدين لن يعدم أتباعًا بررة مخلصين، بذكر ما يتضمنه للإشعار بأن للشرط جوابان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت