لعصر الخلفاء الذي خمدت فيه قوة الكفر .. وأوضحت أنهم لخفائهم أخطر في حربهم المسلمين من الأعداء الظاهرين وأن أخطر ما في حربهم للإسلام سهولة الاستحواز على عقول البسطاء من عامة المسلمين ثم نشر الفتنة بألوانها بينهم وأن شخصًا واحدًا يستطيع أن يفسد الآلاف من هؤلاء السذج كما استطاع ابن سلول حين رجع بثلث الجيش في غزوة أحد على سبيل المثال، ومسيلمة الذي أفلح في إفساد عقيدة عشرات الألوف من أهل اليمامة، وابن سبأ الذي استطاع أن يصدع كيان الأمة بعد مقتل عثمان .. كما أفصحت آيات الذكر الحكيم عن تحالفاتهم مع جميع أطياف الكفر لكونهم- من الناحية المادية وحسب نظرتهم للأمور- الأكثر عدة وعتادًا ولكون صحبتهم- من وجهة نظرهم- أخف ضررًا وأيسر عبئًا.. ولم تعذرهم فيما أقدموا عليه من جرائم في حق دينهم وذويهم لا في الدنيا حيث الذلة والاستكانة ولا في الآخرة حيث العذاب المهين في الدرك الأسفل من النار يوم القيامة.. ووصفتهم بالحرص على الدنيا والإرجاف والكبر والبخل والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والتكاسل عن الصلاة إشاعة الفاحشة في المؤمنين والخوف منهم وبكثرة الحلف.. وأظهرت مدى خطورتهم وعداوتهم لأهل الإيمان في عصر لم يجرئوا فيه على حمل السلاح في وجوههم، بل ونزل فيه قول الله
تعالى: (هم العدو فاحذرهم) كذا بأسلوب القصر المفيد أنهم العدو البالغ العداء لا غيرهم، وبأنهم في الدنيا في قلق نفسي لا يستقرون على حال (يحسبون كل صيحة عليهم .. المنافقون/4) ، الأمر الذي يعكس ما في بواطنهم من وساوس وتصورات لأنهم متلبسون بجرائم من الكذب والبهتان فهم لذلك على حذر دائم، ومع احترافهم الكذب والحذر الشديد سرعان ما ينكشف بهتانهم (إن الله مخرج ما يحذرون ..التوبة/64) ، ولا يهنأ لهم مقام (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورون فيها إلا قليلًا. التوبة/ 60) .
وفي نور الذكر الحكيم وعلى ضوء ما أفادته آياته المحكمات وأشارت إليه السنة الصريحة والعقل الصحيح أفتى أهل العلم بجواز قتل المسلم الذي تترس به العدو إذا تحقق في قتله الخلوص إلى العدو فما بالك بمن قاتل من المنافقين دون العدو، وضحى بنفسه في سبيله، كما أفتوا بأن التحرج من قتال أهل النفاق إنما كان في حال عدم مساهمتهم في قتال وقتل أهل الإيمان واكتفائهم في معاداة المسلمين بحرب المؤامرات والدعايات"حتى لا يستغلوا ذلك- على حد ما ذكر د/ عبد الحليم حفني في كتابه (أسلوب القرآن في كشف النفاق ص71) - في الدعاية لمصلحتهم ضد المسلمين"، أما مع مواجتهم المسلمين وتعاونهم في ذلك مع العدو فلا فرق بينهم إذًا وبين أهل الكفر على ما أفاده ابن القيم في (مفتاح دار السعادة) وكما أفاده إجماع المفسرين فيما سقناه لهم في آيات سورة المائدة سيما وقد جمع القرآن بين الفريقين وأمر الله نبيه بمجاهدتهما معًا، وقد حدا ما ذكرنا بـ 29عالمًا من علماء السعودية يمثلون غيرهم من العلماء المخلصين الشرفاء وكذا بعلماء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية