فهرس الكتاب

الصفحة 1189 من 2003

والأرضُ وإنْ كانت للهِ يورِثُها مَن يشاءُ مِن عبادِه، إلا أنه جَعَلَ العاقبةَ للمتقين. والنصرُ وإنْ كانَ بيدِه سبحانه، إلا أنه لا يهَبُهُ إلا للجادِّين الباذلين، الذين يسعَون لتحقيق أسبابِه. وحينَ يكونُ النصرُ من اللهِ سبحانه يكونُ نصرًا ليس كمثلِه نصرٌ: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (آل عمران:160) .

وفي زَحْمَةِ الآلامِ، وتطلُّعاتِ الآمَالِ، ينبغي أنْ ننسى ذلك السؤالَ:"متى نصرُ اللهِ؟"؛ بعدَ أنْ تيقنّا وقوعَه، وأنْ يبرزَ ما هو أهمُّ منه مِن السؤالِ:"كيف يتحقَّقُ نصرُ الله؟"؛ حتى نسعى لتحقيقِ أسبابِه، ونتَّصفَ بصفاتِ أهلِه، وتستبينَ سبيلُ المنتصرين.

إنّ مِن أهمِّ أسبابِ النصرِ: جمْعَ الكلمةِ، وتركَ التحزُّبِ والتفرُّقِ والاختلافِ، ففي التفرُّقِ والاختلافِ الضعفُ والفشلُ والهوانُ: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: من الآية46) ، و (( إنما يأكلُ الذئبُ القاصيةَ ) ) (2) . وإذا أرادَ العدوُّ بأمّةٍ سوءًا سَعَى إلى بَثِّ روحِ التنازُعِ والشِّقَاقِ، والفُرقَةِ والخِصَامِ.

والأمَّةُ حينَ تواجِهُ عدوَّها تحتاجُ إلى نَبْذِ خِلافَاتِها، وتوحيدِ راياتِها، والنظرِ بعينِ واحدةٍ إلى عدوِّها المتربِّصِ بها، المترقِّبِ لزلاتِها، وكما قيل:"إذا اتّحد الأشرارُ فعلى الأخيارِ أنْ يتّحدوا، وإلا سقطوا ضحيةً لهم".

عليها أنْ تَعِيَ أنّ الاجتماعَ أقوى أشكالِ الدِّفاعِ، وأنَّّ العدوَّ تنقطعُ منه في المجتمعين الأطماعُ، وأنَّ خمسةً مجتمعين أقوى من عشرةٍ متفرِّقين، وأنّ القومَ لن يعجزوا إذا تعاونوا، وأنّ (( يدَ اللهِ معَ الجماعةِ ) ) (3) ، وأنّ (اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف: الآية4) .

ألم تَرَ أنَّ جَمْعَ القَومِ يُخْشَى وَأنَّ حَرِيمَ وَاحِدِهِمْ مُبَاحُ

وأنَّ القِدْحَ حينَ يكُونُ فَرْدًَا فيُهصَرُ لا يَكُونُ لَهُ اقْتِدَاحُ

وأنّكَ إنْ قَبَضْتَ بها جمِيعًَا أبَتْ مَا سُمْتَ وَاحِدَهَا القِدَاحُ

ولكنّ هذا الجمعَ للكلمةِ يجبُ ألا يكونَ على حسابِ المنهجِ والعقيدةِ؛ فإنّ اجتماعًا لا يقيمُ للمنهجِ والعقيدةِ قَدْرًا ولا وَزنًا اجتماعٌ مُهَدَّدٌ في كلِّ حينٍ بالسقوطِ والزوالِ، بل ربّما كان عدوُّ اليومِ أحدَ المجتمعين بالأمس!! فلا نأمَنُ عدوًّا، ولا نُصَدِّقُ صديقًا.

علينا أنْ ننقِّيَ الصفَّ المسلمَ المتحدَ من المنافقين؛ فهم أخطرُ مِن أعداءَ خارجيّين ظاهرين، وعلينا أنْ ننقيَه من الباطنيّين الخبثاءِ؛ فهم الذين كثيرًا ما يتحالفون في الأزماتِ مع الأعداءِ، وعلينا أنْ ننقيَه من المشركين والكفَّارِ؛ فهم رؤوس الشرِّ والأشرارِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت