وقد أمرنا اللهُ أنْ يكونَ اعتصامُنا واجتماعُنا على دينِه وعهدِه، فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: من الآية103) ، وأنْ يكونَ ولاؤنا وبراؤنا فيه، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:57) .
وقد عَرَفَ التاريخُ دولةً إسلاميةً قويةً في الأندلسِ، واجهتْ خلالَ عقودٍ طويلةٍ الصليبيين، وكانتِ المنتصرةَ عليهم في جُلِّ هذه المواضِعِ. ولكنَّها حين دَبَّ فيها الخلافُ، وانقسمتْ إلى طوائفَ ودُويلاتٍ، هان على العدوِّ أمرُها، فتمكَّنَ منها، ومَزَّقَ كِيَانَها، فصارتْ أثَرًَا بعدَ عينٍ. استشرتْ بينهمُ الخلافاتُ، حتى استعانَ بعضُهم على بعضٍ بالأعداءِ، وكان أوَّلُ مالٍ انتقلَ من بيتِ مالِ المسلمين في الأندلس إلى الفِرَنْجِ مالًا ساقه إليهم المهديُّ محمَّدُ بنُ هِشَامٍ، وهو أحَدُ الخلفاءِ؛ ليقفوا معه ضِدَّ أحدِ أبناءِ عمِّه الثائرين عليه؛ فكانت النتيجةُ بعدَ سِجَالٍ أنْ قُتِلَ المهديُّ، ولم تُغْنِ عنه الفِرَنْجَةُ شيئًا، فلا هو بدينِهِ، ولا هو بمُلكِهِ، ولا هو بحياتِهِ، فصارَ كالمُنْبَتِّ؛ لا ظَهْرًَا أبقى، ولا أرْضًَا قَطَعَ!! (4) .
وإنّ لجمْعِ الكلمةِ وتوحيدِ الصفِّ وسائلَ تُعينُ عليه، ومِن أهمِّها:
تقريبُ العلماءِ الربانيين، وتشجيعُهم، وقَبولُ نُصْحِهم وتوجيهِهم، والصدورُ عن آرائهم؛ ذلك أنّ الأمَّةَ وثيقةُ الارتباطِ بعلمائها الصالحين، ودعاتِها المخلصين، وحينَ ترى لهم مكانةً وقَدْرًا، فإنها تُبادِلُ مُكرِمَهم كَرامةً وفَضْلًا.
ولقد أدركَ بعضُ الأمراءِ والقادةِ مكانةَ العلماءِ والصالحين ودورَهم في النصرِ والتمكينِ، فهذا قتيبةُ بنُ مسلمٍ لما هاله أمرُ العدوِّ سألَ عن محمَّدِ بنِ واسعٍ، فقيل: هو ذاك في الميمنةِ، جامِحٌ على قَوسِه، يُبَصْبِصُ بأُصبَعِه (5) نحو السماءِ. فقالَ قتيبةُ: (( تلك الإصبَعُ أحَبُّ إليّ من مئةِ ألفِ سيفٍ شهيرٍ، وشابٍّ طريرٍ ) ) (6) . وقالَ مسلمةُ بنُ عبدِالملكِ أميرُ السَّرايا: (( برجاءَ بنِ حَيْوَةَ وبأمثالِه نُنصَرُ ) ) (7) . وقال صلاحُ الدِّين: (( ما فتحتُ البلادَ بالعساكرِ، بل أخذتُها برسائلِ القاضي الفاضلِ ) ).
ومِن وسائلِ جمعِ الكلمةِ: الشورى، وتركُ الاستبدادِ بالرأيِ؛ فمَن أعْجِبَ برأيِه ضَلَّ، ومَنِ استغنى بعلمِه زَلَّ، ومَن عُهِدَ منه طَلَبُ المشورةِ، كان أمرُه للناسِ أوثقَ قَبُولًا. وقبلَ غزوةِ بدرٍ كانَ الرسولُ عليه الصلاةُ والسلام يحثُّ الناسَ على الشورى، ويقبلُها منهم. وكان أبو هريرةَ رضي اللهُ عنه يقولُ: (( ما رأيتُ أحدًا قطُّ أكثرَ مشورةً لأصحابِه من رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم ) ) ( 8) .
ومما يعينُ على جَمْعِ الكلمةِ: إشاعةُ العدلِ ومحاربةُ الظلمِ؛ فإنّ القلوبَ تأتلِفُ ـ دونَ إكراهٍ ـ حولَ مَن عُرِفَ عدلُه، وتنفِرُ ـ مَهما بُذِلَ ـ ممّنْ عُرِفَ ظلمُه، وظُلمُ المرءِ يصرعُه ولو بعدَ حينٍ.
والمظلومُ لا ينسى ظالِمَه، فنفسُه عليه تضطربُ، وقلبُه منه مشحونٌ، ويتربَّصُ به الدوائرَ. ومن أجلِ ذلك حَذَّرَ عليه الصلاة والسلام من دعوةِ المظلومِ، فقالَ: (( اتَّقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنه ليس بينها وبين