فهرس الكتاب

الصفحة 1191 من 2003

الله حِجابٌ )) (9) . وفي المسندِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا، فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) ). وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ: (( إنّ اللهَ ينصرُ الدولةَ العادلةَ ولو كانتْ كافرةً، ويخذُلُ الدولةَ الظالمةَ ولو كانتْ مسلمةً ) ).

ومِن سبيلِ المنتصرين أنّ نفوسَهم أبِيَّةٌ، وهِمَّتَهم عَلِيَّةٌ، لا يقبلون بالدُّونِ، ولا تَحُطُّ من عِزَّتِهِمُ وعزيمتهم النَّكَبَاتُ والسُّنُون، وهم عن أسبابِ الهزيمةِ النفسيَّةِ بعيدون. فلم تمنعِ الأخطارُ ومواجهةُ الأهوالِ الرسولَ صلى اللهُ عليه وسلم أثناءَ هجرتِه، أنْ يقولَ لصاحبِه بقلبٍٍ امتلأ عزَّةً وثباتًا ويقينًا: (( ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالِثُهما؟ ) ) (10) .

وكان مِن وَصْفِ اللهِ للمؤمنين أنهم (اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ) (آل عمران: من الآية172) ، وأنّ الناسَ حينَ قالوا لهم مُخَوِّفين: إنّ الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم، ازدَادَ إيمانُهم، (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: من الآية173) ، فاستجابتُهم للهِ ورسولِه رغمَ الشدائدِ لا تنقطِعُ، وعزيمتُهم رَغْمَ النَّكَسَاتِ لا تَضْمَحِلُّ.

ومِن أسبابِ النصرِ: إعدادُ القوى، والاستعدادُ للعِدا، وشحذُ الطاقاتِ والجهودِ. وهو ما أرشدَنا اللهُ إليه في كتابِه بقولِه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (الأنفال: من الآية60) . وحينَ يكونُ هذا الإعدادُ جَادًّا، وبنوايا خالصةٍ، وبأيْدٍ نظيفةٍ أمينةٍ، فإنه يبذُرُ في نفسِ العدوِّ بَذْرَةَ الهزيمةِ.

وعلينا ونحنُ نُعِدُّ جيلََ النصرِ والتمكينِ أنْ نترُكَ الأمانيَ المجرَّدَةَ، والعواطفَ التي تحجُبُ عقولَنا، وعلينا أنْ نحوِّلَها إلى منطلقاتٍ لعملٍ جادٍّ وجهدٍ دؤوبٍ، لإعدادٍ قوَّةٍ تُرهِبُ أعداءنا. فالنصرُ لن يكونَ بمجرَّدِ التغني بأمجادِ الآباءِ، وفتوحاتِ الأجدادِ، وانتصاراتِ الأسلافِ؛ فهؤلاء لم ينالوا ما نالوه إلا بعدَ بذلٍ وإعدادٍ، وإننا ما لم نَسِرْ على خُطَاهم، فلن ننالَ نَوالَهم.

ومِن أعظمِ أسبابِ النصرِ: الجهادُ، الذي ما تركَه قومٌ إلا ذَلُّوا (11) . إنه سِرُّ النصرِ ولُبُّه، وبه فَتَحَ الأوائلُ البلدانَ، ونشروا الإسلامَ، وردُّوا العُدوَانَ. مَا تَكَالبَتْ علينا الأمَمُ إلا بعد أنْ تركناه وأهملناه، ولم يتمادَ العِدَا في حربِنا إلا بعدَ أنْ حاربناه، وصارَ أعداؤنا يُدركون أثرَه في قوتنا أكثرَ مما أدركناه!!

الجهادُ الذي نجَحَ أعداؤنا في إقصائه عن مناهجِنا وتربيتِنا، ونجحوا في تشويهِ صورتِه الناصعةِ. وأُنسينا أنّ له غاياتٍ ساميةً، وأنه لا يكونُ جهادًا إذا اختلفتْ هذه الغاياتُ، وأنَّ أخلاقَ المجاهدين تمنعُهم حينَ القتالِ مِن أنْ يتعرَّضُوا لطفلٍ صغيرٍ، أو امرأةٍ، أو شيخٍ كبيرٍ، أو يحرقوا شجرةً، أو يفسدوا ثمرةً. وأنّه إرهابٌ لأعداءِ اللهِ، الذين نرى تجبُّرَهم وعُدوانَهم وبَغيَهم حينَ تركناه.

ولقد جاءنا عن نبيِّنا عليه الصلاةُ والسلامُ قولُه: (( بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ) ) (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت