إنّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ ذِروةُ (13) سَنَامِ الإسلامِ (14) ، وأعظمُ التجاراتِ وأربحُها، وبه خيرُ الدنيا والآخرةِ، و (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) (الصف: من الآية13) . ولقد تحقَّقَ النصرُ لدولةِ الأيوبين لما قامتْ على الجهاد؛ فعَمَّ خيرُها، وعُرِفَ فضلُها، وصَدَّتِ الصليبيين، وردَّتهم على أعقابِهم خاسرين خائبين. وما بَلَغَ صلاحُ الدين ما بلغه من نصرٍ وشرفٍ وعزَّةٍ، إلا يومَ كانتْ له هِمَّةٌ عاليةٌ في الجِهادِ، فجَعَلَ ولايتَه سببًا في رفْعِ رايةِ الجهادِ، وتطليقِ الملذاتِ.
ومما يحتاجُه طالبُ النصرِ: الصبرُ والتقوى، وقد وَعَدَنا أصدقُ الواعدين بأنّ تحقيقَنا لذلك مَطْرَدَةٌ للكيدِ والضَّرَرِ: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) (آل عمران: من الآية120) .
إنّ مواجهةَ الخصومِ والجيوشِ تحتاجُ إلى صبرٍ على الأذى، وتَحَمُّلٍ لطولِ الطريقِ ووعورتِه؛ فأفضلُ العُدَّةِ الصبرُ على الشِّدَّةِ. كما تحتاجُ إلى تقوى تَحولُ بين الباحثِ عن النصرِ وبينَ الزَّلَلِ والخطأِ، فالهزائمُ العسكريَّةُ تبقى محدودةَ الضَّرَرِ ما لم تُغَيِّرِ القيمَ والمبادئَ والمُثُلَ. فالنصرُ مُحَالٌ مِن غيرِ صبرٍ وصَلاحٍ وجِلادٍ.
ومِن الصبرِ المهمِّ للنصرِ: ألا نستعجلَه، وأنْ نعملَ مِن أجلِ تحقيقِه، وإنْ طَالَ الوقتُ بنا. فالأحداثُ المتعاقبةُ الحاضرةُ توحي بأنّ الأمرَ قد يطولُ، وأنّ صاحِبَ النَّفَسِ الأطولِ هو الذي سينتصرُ، ولا يَعدَمُ الصبورُ الظَّفَرَ، وإنْ طَالَ به الزَّمَنُ.
ومِن سبيلِ المنتصرين أنّ الدنيا لم تَشغلْهم، كما شَغَلَتْ غيرَهم، وأنّ نفوسَهم متعلِّقَةٌ بالآخِرَةِ، وأنهم ممتثلون لأمرِ اللهِ، منتهون عن نهيِه. فمتى شَغَلَتِ الناسَ الدنيا مُنِعُوا النَّصرَ، وضُرِبَ عليهم الذُّلُّ، وقد حَذَّرَ مِن هذا الحالِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: (( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًا، لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) ) (15) .
إنّ جيلًا نشأَ عَلى الميوعَةِ والترفِ، وتَعَلَّقَ بالملذاتِ والمُتَعِ، لا يُنتظرُ منه أنْ يقفَ في وجهِ عَدُوٍّ غاشِمٍ، أو يكونَ نِدًَّا لمُعْتَدٍ ظالِِمٍ. بل إنّ مَن يطلبُ نصرًا مِن مثلِ هذا الجيلِ مُتَطَلِّبٌ في الماءِ جذوةَ نارِ. وإنّ مِن الخيانةِ للأمّةِ أنْ يُسرفَ الأولياءُ في ترفيهِ أبنائهم ترفيهًا يجعلُهم أشدَّ الناسِ تعرُّضًا للمهالكِ حينَ ورودِها.
لقد عاشَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم بعيدًا عن الترفِ، وربّى على ذلك أصحابَه، وكان ذلك خُطوَةً في سبيلِ نصرٍ مبينٍ. رآه عُمَرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه يومًا وَقَدْ أَثَّرَ الحصيرُ فِي جَنْبِهِ، فَبكى وقال: إنّ كسرى وقيصرَ فيما هما فيه، وأنتَ رسولُ اللهِ! فَقَالَ: (( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لهم الدنيا ولَنَا الآخِرَةُ؟ ) ) ( 16) . ورُوي عن عُمَرَ رضي اللهُ عنه قولُه: (( اخْشَوْشِنُوا؛ فإنّ النِّعمَ لا تدومُ ) ).
وحينَ يطغى حبُّ الدنيا وكراهيةُ الموتِ على غيرِه يتحوَّلُ الناسُ ـ مهما بَلَغَ عددُهم ـ إلى غُثاءٍ كغُثاءِ السيلِ، ليس لهم قيمةٌ ولا وَزنٌ، ويصبحون ألعوبةً بيدِ غيرِهِم من الأمَمِ (17) .