فهرس الكتاب

الصفحة 1193 من 2003

ويبقى قبلَ هذا كلِّه ومعَه وبعدَه أنْ نَصْدُقَ في التجائنا إلى اللهِ، وأنْ نتضرَّعَ إليه بصدقٍ وإخلاصٍ، وأنْ نتسلَّحَ بالدُّعَاءِ؛ فهو خَيرُ سلاحٍ.

لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ والمشركون أضعافُ المسلمين، اسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: (( اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ(18) هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ ))، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ (19) .

وهاجَتْ ريحٌ سوداءُ في عهدِ المهديِّ، فوجدَه حاجبُه ساجِدًا على الترابِ يقولُ: (( اللهمّ لا تُشْمِّتْ بنا أعداءنا من الأممِ، ولا تُفْجِّعْ بنا نبيَّنا، اللهمّ إنْ كنتَ أخذتَ العامَّةَ بذنبي، فهذه ناصيتي بيدِك ) )، فما أتمَّ كلامَه حتى انجَلَتْ (20) .

ثمّ إنّ الجادّين في طلبِ النصرِ وتحصيلِه، لا بُدَّ أنْ يسعَوا إلى تربيةِ الأجيالِ على هذه الأسبابِ، والبُعْدِ بهم عن أسبابِ الذُّلِّ والتبعيةِ والانهزامِ.

إنّ ظاهِرَ الأحداثِ يوحي بأنّ المرحلةَ القادمةَ مرحلةُ حربٍ فكريّةٍ، وهي حربٌ قد تكونُ أخطرَ بمراحلَ من الحربِ العسكريَّةِ. فالحربُ العسكريَّةُ قد تبعثُ روحَ المقاومةِ والمغالبةِ، وقد تُكْسِبُ الأمَّةَ تجارِبَ ومهاراتٍ لم تتعلَّمْها، ولم تتدرَّبْ من قبلُ عليها. أمّا الحربُ الفكريّةُ فإنّ نجاحَها يعني أنْ يذوبَ المنهزمون في المنتصرين، وأنْ يكونوا منهم، وأنْ يفقدوا هُويَّتَهم، وأنْ يُصابوا بداءِ الذّلِّةِ والتبعيَّةِ، وما أخطرَ مثلَ هذه الحالِ على الأمَّةِ وقيمِها!!

وكما أنّ الحربَ العسكريةَ تبدأُ بقَصْفٍ مُرَكَّز لمراكزِ القوّةِ لدى المقاومين؛ لِتُضعِفَ مقاومتَهم، وتنهارَ قوَّتُهم ـ فإنّ الحربَ الفكريةَ مثلُها في أنها تبدأُ في قصْفِ مراكزِ التوجيهِ والتربيةِ قصْفًا فكريًّا، حتى يسهُلَ فيما بعدُ السيطرةُ عليها، وتوجيهُ الجيلِ توجيهًا يقتلُ في نفسِه كراهَةَ المعتدي، ويئدُ في أعماقِه روحَ المقاومةِ، ويقضي على شعورِه بالتميُّزِ.

وقد أدركَ الأعداءُ هذه الحقيقةَ فسَعَوا جاهدين إلى إحداثِ انقلابٍ في المبادئ والمفاهيمِ، وتشويهِ صورةِ الدينِ، ووظَّفُوا في ذلك بعضَ أبناءِ جلدتِنا، وعاثتِ الفضائياتُ فَسَادًا وإفسادًا في هذا الجيلِ، حتى ظَهَرَ جيلٌ لا يعرفُ سوى الملذاتِ، ولا يَقدرُ على التصرُّفِ في المُلِمَّاتِ. ومازالوا يسعَون إلى أكثرَ من هذا، ويطالبون بتنحيةِ الدِّينِ، وسُفُورِ مُربّيَةِ الأجيالِ، وتغييرِ المناهجِ، بدعوى تطويرِها.

ولذا فإنّ تحصينَ محاضِنِ التربيةِ، وتنقيتَها من الدُّخَلاءِ والعُمَلاءِ كفيلٌ بتحقيقِ النصرِ، ولو بعدَ حينٍ، وهو كفيلٌ بأنْ يَشِعَّ الضوءُ منها، ولو ادلهَمَّ الظلامُ، واحْلَوْلَكَ السّوادُ، واللهُ غالبٌ على أمرِه، ولكنّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون.

الهوامش:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت