فهرس الكتاب

الصفحة 1213 من 2003

قومه. فيواجهونه بما لا يحب فيقول له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. ويقول الآخر أما وجد الله أحدًا غيرك يرسله؟ ويقول الثالث: والله لا أكلمك أبدًا. لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله فينبغي أن لا أكلمك. فإذا يئس منهم ولم تبد له لائحة خير فيهم قال لهم:"أما إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني". يريد ألا يبلغ خبره قريشا فيعلموا هذه الخطة الجديدة فيأخذوا عليه أفواه الطرق ويغلقوا دونه قلوب الناس.

ولم يكن عند ثقيف بقية من كرم الخلق. فلم يقبلوا منه ما جاءهم به ولم تطب أنفسهم بالكتمان عنه بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ويحصبونه بالحصى، حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة. وهما جالسان فيه. فعمد إلى ظل كرمة فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى من سفهاء ثقيف. حتى إذا اطمأن في مجلسه وتفرق عنه هؤلاء الأوشاب أخذ يناجي ربه."اللهم إليك أشكو ضعف قوتي. وقلة حيلتي. وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين. وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي. ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله". وأتى كندة في منازلهم فدعاهم إلى الله - عز وجل - وعرض عليهم نفسه. فأبوا عليه. وأتى بطنا من بني كلب يقال لهم بنو عبد الله. فعرض عليهم نفسه فلم يقبلوا منه وأتى بني حنيفة فدعاهم إلى الله فلم يكن أحد أقبح عليه ردًا منهم.

اللهم غفرًا. هذا محمد رسولك وصفوتك من خلقك والداعي إلى صراطك المستقيم وسبيلك الذي رضيته لخلقك يبذل من نفسه كل جهد ولا يألو في إعلان ما أرسلته به، ولا يجد ناصرا ولا يلقي معينا؟. هؤلاء أقاربه قطعوا أواصر القربى ومزقوا كل وشائج الرحم وهلهلوا العواطف التي من شأنها عندهم وعند غيرهم أن تصل فيما بين الناس. وهؤلاء الأباعد يتجهمونه ويغرون به السفهاء والعبيد يصيحون به ويرجمونه بالأحجار ولا يرضون منه بما يرضى به أقل العرب استمساكا بأحسن الأخلاق أن يكتموا عنه ما أفضى به إليهم من دخيلة نفسه وهو مع كل هذه البلايا التي تكفي واحدة منها لزعزعة رواسي الجبال صابر مطمئن النفس عالم أنه ما جاء أحد بمثل ما جاء به إلا عودي وأوذي واثق أن العاقبة للمتقين. وليس يخاف شيئًا إلا أن يكون بك غضب عليه. فعفوك اللهم ورضاك وتأييدك أنه لا معين له سواك.

وتعلم قريش بما كان منه وما كان من ثقيف وكندة وبني حنيفة فيعلمون أنه فكر في الانتصار عليهم بقبائل العرب وأنه أخذ لذلك أهبته. فيحذر بعضهم بعضا ويتناذرون فيما بينهم فصاحة لسانه وشدة أسر بيانه. وما يكون لذلك ولغيره من خلال الخير التي جبله الله عليها من التأثير على الناس حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت