ائتمروا فيما بينهم إلا يتركوه يلقي أحدًا ممن يفد على مكة لزيارة البيت الحرام إلا حذروه أمره، ودسوا له ليجنبوه فيما زعموا الخديعة به، فكانوا لا يسمعون بقادم إلا تعرضوا له فقالوا: إنك قد قدمت بلادنا. وقد ظهر بيننا رجل أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا. وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجه. وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئًا. وربما كثر الوافدون على مكة كما يكون في موسم الحج، فلم يستطيعوا أن يتحدثوا إلى الوافدين جميعا. فامكنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستطاع أن يلتقي بقوم من الوافدين وأن يعرض عليهم ما عنده، فما هو إلا أن يأخذ في الحديث اليوم حتى يكون الأمر قد بلغ قريشا فتراهم مسرعين إليه يفسدون عليه أمره، حدث عبد الله بن عباس:"إني لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقف على منازل من العرب فيقول: يا بني فلان. إني رسول الله إليكم. يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا. وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا وتصدقوا بي ومنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به، قال: وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان وعليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله وما دعا إليه قال ذلك الرجل: يا بني فلان. إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم. وتسلخوا حلفاءكم من الجن من بني مالك بن اقيش. إلى ما جاء به من البدعة والضلالة. فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه. قال عبد الله: فقلت"
لأبي: يا أبت من هذا الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول فقال: هذا عمه عبد العزي بن عبد المطلب. وهو أبو لهب"."
ولكن عين عين الله تلحظه في خطواته كلها، وقد كفل الله له أن يعصمه من الناس. وعنده من اليقين وقوة الإرادة وصادق المعرفة بأنه إذا عز المطلب هانت التضحية في سبيله. فهو لا يبالي محاولة أعداء الحق في إطفاء نوره. ولا يعبأ بما يلاقيه في سبيل بلوغ غايته. وإذا أراد الله انفاذ أمر هيأ له أسبابه. فسار في الطريق الموصلة إليه فلم يعترضه من عقابيل الناس شيء مهما يحكموا أمرها. فقد حدث في السنين الأخيرة من مقامه بمكة أربع حوادث كانت لها الأثر الفعال في عزة الإسلام والمسلمين، أولها أنه قدم مكة قوم من أهل المدينة من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ وأبو الحيسر أنس بن رافع يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج فسمع بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم فجلس إليهم. فقال لهم: هل لكم في خير مما جئتم له؟ فقالوا: وما ذاك قال: أنا رسول الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ أي قوم. هذا والله خير مما جئتم له. فيأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فيضرب بها وجه إياس بن معاذ ويقول: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس. وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهم.