وانصرفوا بعد ذلك إلى المدينة. ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن تُوفِّي، ويحدث قومه أنه حين حضرته الوفاة لم يزل يهلل الله - تعالى - ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فكان ذلك مبدأ لشعور أهل المدينة بالإسلام وبصاحب الدعوة إليه، فلما كان موسم الحج حدثت الثانية وخلاصتها أن قوما من الخزرج خرجوا لزيارة بيت الله فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال بعضهم لبعض: وإنه والله للنبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه
إلى ما دعاهم إليه وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم وقالوا له"إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر مثل ما بينهم. فعسى أن يجمعهم الله بك: فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوهم إلى الإسلام. ففشا فيهم حتى لم تبق دار من دور المدينة إلا وفيها ذكر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. حتى إذا كان الموسم من قابل حدثت الثالثة فقدم مكة اثنا عشر رجلا من أهل المدينة من بني النجار وبني زريق بن عامر وبني عوف بن الخزرج وبني سالم بن عوف وبني سلمة وبني سواد بن غنم. وكل أولئك من الخزرج وبني عبد الأشهل وبني عمرو بن عوف وهما من الأوس فكانت بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين هؤلاء النفر بيعة العقبة الأولى. بايعهم فيها على أن لا يشركوا بالله شيئًا ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم. ولا يعصونه في معروف. فإن وفوا بذلك فلهم الجنة. وإن فعلوا من ذلك شيئًا فأمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فلما اعتزموا الانصراف إلى المدينة أرسل معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى. وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. فكان مصعب في المدينة معلما لمن آمن بالله ورسوله. وكان مع ذلك داعية لمن لم يؤمن. فصدق في الدعوة إلى الله وأخلص في النيابة عن رسول الله. فأسلم على يديه جماعة من أهل المدينة منهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. وهما يومئذ سيدا قومهما بني عبد الأشهل. فلما خالطت حلاوة الإيمان قلب سعد بن معاذ انطلق إلى نادى قومه فلما وقف عليهم قال"يا بني عبد الأشهل. كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا. وأوصلنا. وأفضلنا رأيا. وأيمننا نقيبة. قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام
حتى تؤمنوا بالله ورسوله. فلم يمس في دور بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا دخل الإيمان إلى قلبه. فلما كانت الحجة القابلة حدثت الرابعة وهي بيعة العقبة الكبرى التي بايع النبي فيها أهل المدينة على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأعطاهم الرسول يده على أن يقيم بين أظهرهم ولا يعود إلى الإقامة بين أهل مكة وأن أظهره الله عليهم، وعلى أن ذمته ذمتهم وحرمته حرمتهم يحارب من حاربوا ويسالم من سالموا وأعطوه العهد على أنهم وافون له على نهكة الأموال وقتل الأشراف"."