فهرس الكتاب
وإذا أردنا إن نستقرئ الأحداث والشواهد من كتاب ربنا؛ فإننا نرى ذلك التصوير القرآني الفريد البديع، الذي يبيّن كيف ينبغي أن يرتبط المؤمن بإيمانه حتى آخر لحظة من لحظات الحياة، مهما أدلهمت الظروف، ومهما تكالب الأعداء، ومهما حصل من أسباب هذه الحياة الدنيا يعيق عن المضي في طريق الله؛ فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يتراجع ولا أن يتخاذل مطلقًا.
انظر إلى الوصف الرباني لأهل الأيمان الصابرين {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالو إنا لله وإنا إليه راجعون} لم يلتفتوا إلى شرق ولا إلى غرب إذا حلت بهم النكبات، لم ينظروا إلى قوى الأرض ولكن التجأوا قوة رب الأرباب، وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض - سبحانه وتعالى-.
{الذين إذا أصابتهم مصيبة} لم يشكوا، لم يرتابوا، لم يغيروا، لم يبدلوا، لم ينافقوا، لم يداهنوا، لم يجاملوا في دين الله - عز وجل -، وإنما ظلت حبالهم موصولة بربهم، ويقينهم راسخ في دينهم، وثباتهم على كتاب ربهم، وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، يقتفون في ذلك آثار الرسل والأنبياء {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} .
إنها المعادلة الإيمانية الآيات القرآنية، والسنة الربانية التي لا تتخلف ولا تتغير أبدًا {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .
وانظر إلى قصة يوسف - عليه السلام - لترى هذه المعادلة الإيمانية واضحا ًفي قصة فردية، فإذا بيوسف - عليه السلام - من غيابة الجب وظلمته، إلى رحابة الأرض وسعتها، ثم إذا به من ذل الأسر إلى عزّ القصر، ثم بعد ذلك من ظلمة السجن إلى سدة الحكم.. ثبات وصبر وارتباط بالله، بإذنه - عزوجل - يفرج كل كرب، وينفس كل هم، ويزيل كل ضائقة
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
وانظر إلى المثل الآخر في قصة جماعية، قصّها الله - جل وعلا - علينا من قصص الأمم الغابرة، وهي من أكثر القصص القرآنية تكررًا في كتاب الله - عز وجل -.. قصة فرعون، وهي متشعبة متعددة الجوانب متكاثرة في أسلوب عرضها في كتاب الله - سبحانه وتعالى-، ومن ذلك العرض الذي جاء إيجازه في بعض صور القران قوله - جل وعلا: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} .