فهرس الكتاب
هذه إرادة الله ولا راد لقضاءه وإرادته - سبحانه وتعالى- {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} .
والله - سبحانه وتعالى- قد ذكر لنا من سيرة المصطفي - صلى الله عليه وسلم - أمثلة كثيرة، غير أن منها مثلًا فريدًا ظاهرًا في هذا الأمر، في صبر أهل الإيمان ويقينهم بالله، وما يترتب على ذلك من النصر والتمكين لهم بإذن الله، وتتجلي هذه الصورة في أهل النفاق.. في ضعف يقينهم، وزوال أيمانهم، وفي حرصهم على دنياهم، وفي تخذيلهم للصفوف، وتفتيتهم لعرى الروابط في صفوف أهل الأيمان.. ذلكم هو الوصف القرآني لما كان من شأن الأحزاب الذين تألبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، وليس أبلغ من وصف القرآن {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} .
اجتمع عليهم شدة الخوف، مع شدة الجوع، مع شدة البرد، ولم يكن هناك بارقة أمل، ولم يكن هناك في نظر أهل الارض وأهل النظرات المادية مهربًا ولا منفذًا! إنما كان الفناء الماحق والهلاك المتحقق، وزلزلوا زلزالًا شديدًا.
ثم يأتي وصف القرآن لأهل النفاق بعد إن مرت بهم هذه الظروف، فيقول - جل وعلا: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}
كان أحدهم يقول:"إن محمد - صلى الله عليه وسلم - يعدكم بكنوز كسرى وقيصر، وإن أحدكم لا يستطيع إن يمضي خطوات ليقضي حاجته!".
{وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا.. } .
أما لكم بهذه القوى المجتمعة والمؤامرات العظيمة والأسلحة الفتاكة والخطط المحكمة!
{وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}
جبنًا وخوفًا وهلعًا.. كفرًا ونفاقًا، ولذلك جاء هذا الوصف القرآني يعري صورتهم، ويكشف حقيقتهم، ويضرب المثل بأشياعهم ونظرائهم في كل مجتمع إسلامي وفي كل زمان ومكان.. {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا 14} وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا.
ذلك وصف أهل النفاق، فانظر إلى وصف أهل الصبر والإيمان واليقين، الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظل هذه المحنة العصيبة، وفي ظل محاصرة هذه القوى الرهيبة.. وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا