به؛ فتوكلوا عليه (4) ، واستعينوا به؛ فسوف يكفيكم كيدهم. وقد أعقب الله هذه الآية بقصة غزوة أحد وما جرى فيها للمسلمين من وقوع المصيبة بهم لما ترك الرماة الصبر والتقوى، وذكَّر أنه نصرهم يوم بدر؛ فكأنه تذكير بأن وعده صادق؛ لما صبروا واتقوا نصرهم ببدر وهم أذلة، ولما خالف الرماة ذلك في أحد وقعت بهم المصيبة (5) ؛ فالمشروط معلق بالشرط.
وحينما تصاب الأمة المسلمة بهزيمة فتتلمس طريق النصر كي تستعيد مجدها المفقود فإن من أهم مقومات النصر تقوى الله - تعالى - والإحسان في عبادته. وقد حكى الله ـ في وسط آيات غزوة أحد ـ قصة تلك الجماعة التي منيت بهزيمة على أيدي أعدائها فأخذت بأسباب (6) النصر فنصرها الله، وختم الآيات بقوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] . ليبين أن من أحسن في عبادته أحسن الله إليه ونصره وجعل له من أمره مخرجًا، قال الله - تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 - 148] .
العامل الثاني: الصبر والثبات:
وذلك بالثبات على التقوى، والثبات على القتال، وقد جعل الله الصبر والتقوى شرطًا للنصر كما سبق، وأثنى الله على الصابرين في الآيات الآنفة الذكر {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] . وأخبر أنه معهم بنصره وتأييده، وأن الفئة المؤمنة تغلب مثليها من الكفار إذا كانت صابرة فقال: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] .
وقد يلقى المسلم عدوًا يصبر كما يصبر؛ فهو مأمور حينئذ بالمصابرة وهي (الصبر في وجه الصابر، وهذا أشد الصبر ثباتًا في النفس وأقربه إلى التزلزل؛ ذلك أن الصبر في وجه صابر آخر شديدٌ على نفس الصابر لما يلاقيه من مقاومة وقِرْن له قد يساويه أو يفوقه، ثم إن هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتى يملَّ قِرْنُه، فإنه لا يجتني من صبره شيئًا؛ لأن نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبرًا وهي سبب نجاح الحرب(1) ، قال الله - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .
وقد ذكر الله في سورة آل عمران أسبابًا كثيرة للنصر ثم ختمها بهذه الأية التي تأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة ليبين ـ والله أعلم ـ أن كل الأسباب المذكورة ما لم تقترن بصبر ومصابرة فإن النصر قد يتخلف. وإذا لم يكن ثَمَّ قتال مع الأعداء؛ فعليهم بالمرابطة وهي (ربط الخيل للحراسة في غير الجهاد