وخشية أن يفجأهم العدو) (2) . فهم بين حالتين: إما حرب فعليهم بالصبر والمصابرة، وإما في غير جهاد قائم فعليهم بأخذ الحذر والمرابطة.
العامل الثالث: نصرة الله:
إن الله غني عن أن ينصره أحد، أو يطلبه من أحد، وإنما طَلَبَه من عباده ابتلاء وامتحانًا ليتميز الصادق من غيره. (ونصرة الله هي نصرة دينه؛ فهو غني عن النصر في تنفيذ إرادته) (3) ، كما قال: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4] . فينصر المؤمن دين الله في نفسه ويقيمها على الحق، ويقدم رضى الله على رغباته وشهواته، ويحكّم أمر الله في جميع شؤونه، وينصر دين الله في واقع الحياة فيسعى لتحكيم شرعه في كل مناحي الحياة بلا استثناء (4) ، فإذا فعل المسلم ذلك فليبشر بنصر الله كما وعد الله. قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إلى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] . وقال: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] وقال: {وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] . وجند الله هم أنصار الله الذين نصروا دينه (5) .
وثمة بشارة اخرى لمن نصر الله ذكرها في سورة محمد بقوله: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] . فوعدهم بالنصر ووعدهم بتثبيت الأقدام، (وتثبيت الأقدام يذهب الظن لأول وهلة أنه يسبق النصر ويكون سببًا فيه، وهذا صحيح، ولكن تأخير ذكره في العبادة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت، معنى التثبيت على النصر وتكاليفه؛ فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان وبين الحق والضلال؛ فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون، وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء. وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر، ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن. والعلم لله) (6) .
ولما عظم جزاء الناصرين لله كانت نصرة الله مطلبًا نفسيًا لا يدركه إلا القلة ممن أوقفوا نفوسهم لخدمة دين الله وإقامة شريعته في الحياة، ولذا جيء بالشرط {إن تَنصُرُوا} ، وإنما (جيء في الشرط بحرف(إن) الذي الأصل فيه عدم الجزم بوقوع الشرط للإشارة إلى مشقة الشرط وشدته ليجعل المطلوب به كالذي يشك في وفائه به) (7) .
العامل الرابع: صدق النية في نصرة الله مع القدرة على إقامة دينه بعد النصر.
قال الله - تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن