فهرس الكتاب

الصفحة 1241 من 2003

يَنصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج: 40 - 41] .

فسنة الصراع بين الحق والباطل قائمة ولا بد للحق من قوة تدافع عنه وتذود عن حياضه، وقد وعد الله من فعل ذلك بصدق نية أن ينصره الله، وأنّى لقوة مهما بلغت أن تقف في وجه جند الحق ومعهم الله؟ {إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ، وتأمل كيف أعقب الله هذه الأية بقوله: {الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ} فكأن سؤالًا يتردد عن صفات الطائفة الموعودة بالنصر فكان الجواب: {الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ} وهذه الصفات التي ذكرها الله لهم يتبين منها الآتي:

1 -أنهم قوم صادقون مع الله لم يجاهدوا لطلب منصب ولا غنيمة ولا رياء ولا غيرها من مطامع الدنيا، بل خلصت نياتهم لله؛ ولا أدل على ذلك من إقامتهم شرع الله بعد انتصارهم. إن المرء قد يجاهد في زمن الشدة والمحنة مخلصًا لله؛ حتى إذا فتح الله عليه ونصره واقبلت عليه الدنيا ربما بدّل وغيّر، وطلب المنصب والرئاسة والجاه والشهرة؛ فالإخلاص يسير في زمن الشدة: {وَإذَا مَسَّ الإنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ} [الزمر: 8] ، {فَإذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [العنكبوت: 65] ، لكنه عزيز في وقت الرخاء؛ حيث تنطلق النفوس على سجاياها فتظن أنها استغنت عن عون الله {كَلاَّ إنَّ الإنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] . إن الإخلاص مطلب رئيس لتنزُّل نصر الله {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} ، وتظل على هذا الإخلاص حتى بعد أن ينصرها الله {الَّذِينَ إن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ} .

وإن لتأكيد القرآن على هذا المطلب أهدافًا في غاية الأهمية منها: أن الاخلاص حين يتمكن في النفوس فإن شؤون الجهاد تُدار وفق المصلحة الشرعية فقط بقطع النظر عن أي مصالح أخرى قد تُلبس لباس النصح لدين الله. ومنها أن الإخلاص حين يتمكن في النفوس فإن دائرة الخلاف بين النافرين لنصرة دين الله تتقلص إلى أدنى الدرجات الممكنة. وإن مما يندى له الجبين أن يرى المرء مشاريع خيرية ودعوية استهلكت منها الطاقات، وبذلت لها الأموال، وصرفت فيها الأوقات تذهب كثير من ثمراتها أدراج الرياح نتيجة نقص الإخلاص أو تلاشيه. والله المستعان.

2 -أن هؤلاء بعد نصرهم {أَقَامُوا الصَّلاةَ} فوثقوا صلتهم بالله، واستمر تعلقهم بربهم الذي نصرهم، {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} . فتعاونوا على سد خلة المحتاج وتفريج كربة المعوز فتحقق تكافلهم الاجتماعي {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ} وهذا يشمل المعروف العام الذي يعرفه كل أحد؛ كما يشمل المعروف الخاص من دقائق الأحكام ونحوها الذي يعرفه العلماء على اختلاف مراتبهم (1) ، وهذا يعني انتشار التعليم وتسهيل طرقه للناس، {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} بكل اشكاله وصوره سواء كانت هذه المنكرات من قبيل الشهوات أو من قبيل الشبهات كالمقولات والكتابات الفكرية المنحرفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت