فهرس الكتاب

الصفحة 1242 من 2003

وهذه الصفات تفيد استطاعتهم على المحافظة على النصر والقدرة على إقامة شرع الله في الأرض بما يملكون من مقومات تؤهلهم للاستمرار في التمكين في الأرض؛ وذلك يشمل الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح.

إن استعلاء هؤلاء على شهواتهم وأهوائهم؛ حيث شكروا نعمة الله فأقاموا شرعه مع قدرتهم على مخالفة أمر الله من غير خوف من أحد من البشر؛ حيث إنهم ممكنون في الأرض ليدل دلالة واضحة على أن نفوسهم بلغت من الصلاح والتقوى مبلغًا عظيمًا جعلهم ذلك ينشطون في نصرة دين الله أولًا، ويتحملون أعباء النصر وتكاليفه ثانيًا، وهذا لا شك في أنه لا بد أن يسبقه تربية طويلة ومرور على أحوال من الدهر وصروف تظهر الصادق الصابر من غيره، ولعل هذا ما يلمح من قول الله - تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] . فابتلوا من قبل أن يمكنوا، فمسهم الفقر والشدة والمرض (2) ، وزلزلوا بما تفيده هذه الكلمة من شدة التحريك والاضطراب؛ فهم قد خُوِّفوا وأزعجوا إزعاجًا شديدًا (3) ، وقلبوا من كل جانب، وطالت عليهم هذه الأيام حتى بلغ بهم الحال أن قال الرسول والذين آمنوا معه: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ؟ فأخبرهم أن نصره قريب من هذه الفئة التى ثبتت على الشدائد والمحن، وهي التي تَقْدُر للنصر قَدْرَه بعد أن يمكنها الله في الأرض لا من يأتيه النصر وهو متكئ على أريكته لم يبذل من أجله شيئًا، أو بذل شيئًا يسيرًا؛ فما أسرع ما يفرط فيه. وإذا استمر المسلمون على إقامة دين الله بعد النصر فإن الله يكفيهم أعداءهم ويظهرهم عليهم فما هم بمعجزين؛ وهذا ما يدل عليه ترتيب الأيات في سورة النور (4) . قال الله - تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ

وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ [النور: 55 - 57] . فإن تكاسل المسلمون عن إقامة الدين وفرطوا وأهملوا التكاليف فإن {لِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} يصرِّفها كيف يشاء، فيبدل النصر هزيمة (5) ، والأمن خوفًا، والعز ذلًا.

العامل الخامس: حسن التعامل مع الهزيمة يحولها نصرًا، ويشمل عدة أسباب:

فقد حكى عن أصحاب ذلك النبي لما قاتل ومن معه فهزموا فكان موقفهم من الحدث موقفًا صحيحًا حوّل هزيمتهم إلى نصر وعزة. قال الله - تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت