وهكذا تتواتر النصوص , لتقرر أصلا واضحًا جازمًا من أصول هذا الدين في اعتبار مدلول الإيمان وحقيقته وشرطه ومقتضاه .
ثم نقف أمام وصف الله - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (عبدنا) في هذا الموضع الذي يرد إليه فيه أمر الغنائم كلها ابتداء , وأمر الخمس المتبقي أخيرًا: (إن كنتم آمنتم بالله , وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) . .
إنه وصف موحٍ . .
إن العبودية لله هي حقيقة الإيمان ; وهي في الوقت ذاته أعلى مقام للإنسان يبلغ إليه بتكريم الله له ; فهي تجلى وتذكر في المقام الذي يوكل فيه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التبليغ عن الله , كما يوكل إليه فيه التصرف فيما خوله الله .
وإنه لكذلك في واقع الحياة ! إنه لكذلك مقام كريم . .
أكرم مقام يرتفع إليه الإنسان . .
إن العبودية لله وحده هي العاصم من العبودية للهوى , والعاصم من العبودية للعباد . . وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام مقدر له , إلا حين يعتصم من العبودية لهواه كما يعتصم من العبودية لسواه .
إن الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدًا لله وحده , يقعون من فورهم ضحايا لأحط العبوديات الأخرى . يقعون من فورهم عبيدًا لهواهم وشهواتهم ونزواتهم ودفعاتهم ; فيفقدون من فورهم إرادتهم الضابطة التي خص الله بها نوع"الإنسان"من بين سائر الأنواع ; وينحدرون في سلم الدواب فإذا هم شر الدواب , وإذا هم كالأنعام بل هم أضل , وإذا هم أسفل سافلين بعد أن كانوا - كما خلقهم الله - في أحسن تقويم .
كذلك يقع الذين يستنكفون أن يكونوا عبيدًا لله في شر العبوديات الأخرى وأحطها . .
يقعون في عبودية العبيد من أمثالهم , يصرفون حياتهم وفق هواهم , ووفق ما يبدو لهم من نظريات واتجاهات قصيرة النظر , مشوبة بحب الاستعلاء , كما هي مشوبة بالجهل والنقص والهوى !
ويقعون في عبودية"الحتميات"التي يقال لهم:إنه لا قبل لهم بها , وإنه لا بد من أن يخضعوا لها ولا يناقشوها . ."حتمية التاريخ". . و"حتمية الاقتصاد". .
و"حتمية التطور"وسائر الحتميات المادية التي تمرغ جبين"الإنسان"في الرغام وهو لا يملك أن يرفعه , ولا أن يناقش - في عبوديته البائسة الذليلة - هذه الحتميات الجبارة المذلة المخيفة !
ثم نقف كذلك أمام وصف الله - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) . .
لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده - فرقانًا . . فرقانًا بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالًا - وفرقانًا بمعنى أشمل وأوسع وأدق وأعمق كثيرًا . .