كانت فرقانًا بين الحق والباطل فعلًا . .
ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض , وقامت عليه فطرة الأشياء والأحياء . . الحق الذي يتمثل في تفرد الله - سبحانه - بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير , وفي عبودية الكون كله:سمائه وأرضه , أشيائه وأحيائه , لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد , ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك . . والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك ; ويغشي على ذلك الحق الأصيل ; ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء , وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء ! . .
فهذا هو الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر ; حيث فرق بين ذلك الحق الكبير وهذا الباطل الطاغي ; وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان !
لقد كانت فرقانًا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق , على أبعاد وآماد:كانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير . .
فرقانًا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور , وفي الخلق والسلوك , وفي العبادة والعبودية ; وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات . . .
وكانت فرقانًا بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك . .
فرقانا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء , وللقيم والأوضاع , وللشرائع والقوانين , وللتقاليد والعادات . . .
وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره ولا متسلط سواه ولا حاكم من دونه , ولا مشرع إلا إياه . .
فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله ; وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه ; وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة . .
وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية:
عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار . وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع . .
والإسلام بوصفه تصورا جديدا للحياة , ومنهجا جديدا للوجود الإنساني , ونظاما جديدًا للمجتمع , وشكلًا جديدًا للدولة . .
بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته , ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته . .
الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع , لأنه لم يكن يملك أن يقف كامنًا منتظرًا على طول الأمد . لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه , تتمثل في