فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 2003

شعائر تعبدية لله , وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم . ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد , والمنهج الجديد , والدولة الجديدة , والمجتمع الجديد , في واقع الحياة ; وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولًا ; ثم في حياة البشرية كلها أخيرًا . . وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله . .

وكانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ البشرية . .

فالبشرية بمجموعها قبل قيام النظام الإسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام هذا النظام . .

هذا التصور الجديد الذي انبثق منه هذا النظام . وهذا النظام الجديد الذي انبثق من هذا التصور . وهذا المجتمع الوليد الذي يمثل ميلادًا جديدًا للإنسان . وهذه القيم التي تقوم عليها الحياة كلها ويقوم عليها النظام الاجتماعي والتشريع القانوني سواء . .

هذا كله لم يعد ملكًا للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر وتوكيد وجود المجتمع الجديد . إنما صار - شيئا ًفشيئا - ملكًا للبشرية كلها ; تأثرت به سواء في دار الإسلام أم في خارجها , سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته ! . .

والصليبيون الذين زحفوا من الغرب , ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه , قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاءوا ليحطموه ; وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعي الذي كان سائدا عندهم , بعد ما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي ! والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه - بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام ! - قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية ; وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض جديدة ; وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوربا ! . .

وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله - منذ وقعة بدر - متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام , أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء .

وكانت فرقانًا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة . فجرت وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين ; وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة , حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: (غر هؤلاء دينهم) . .

وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو - وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة - لتكون فرقانًا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة ; ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد ; فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية , لا لمجرد السلاح والعتاد ; وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية , لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة ; وأن هذا ليس كلامًا يقال , إنما هو واقع متحقق للعيان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت