فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 2003

وأخيرًا فلقد كانت بدر فرقانًا بين الحق والباطل بمدلول آخر . ذلك المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة: (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم , وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم , ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين , ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون) .

لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين , إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة . فأراد الله لهم غير ما أرادوا . أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان [ غير ذات الشوكة ] وأن يلاقوا نفير أبي جهل [ ذات الشوكة ] وأن تكون معركة وقتال وقتل وأسر ; ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة ! وقال لهم الله - سبحانه - إنه صنع هذا: (ليحق الحق ويبطل الباطل) . .

وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة . .

إن الحق لا يحق , وإن الباطل لا يبطل - في المجتمع الإنساني - بمجرد البيان"النظري"للحق والباطل . ولا بمجرد الاعتقاد"النظري"بأن هذا حق وهذا باطل . .

إن الحق لا يحق ولا يوجد في واقع الناس ; وإن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس . إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق , وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا , ويهزم جند الباطل ويندحروا . .

فهذا الدين منهج حركي واقعي , لا مجرد"نظرية"للمعرفة والجدل ! أو لمجرد الاعتقاد السلبي !

ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة ; وكان هذا النصر العملي فرقانًا واقعيًا بين الحق والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه -من وراء المعركة , ومن وراء إخراج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من بيته بالحق ; ومن وراء إفلات القافلة [ غير ذات الشوكة ] ولقاء الفئة ذات الشوكة . .

ولقد كان هذا كله فرقانًا في منهج هذا الدين ذاته , تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم . .

وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته ; حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين !

حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين !

وهكذا كان يوم بدر (يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة . .

(والله على كل شيء قدير) . . وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء . .

مثل لا يجادل فيه مجادل , ولا يماري فيه ممار . .

مثل من الواقع المشهود , الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة الله . وأن الله على كل شيء قدير

ــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت