لو أخذ بها المؤمنون لوجدوا أن الأمور في صالِحِهم ، والميزانَ رجح بكفتِهم ، فأين نحن من غزوة أحد لما هزم المسلمون؟، وقتل بين يدي رسوله سبعون من أصحابه، هل ترك الجهاد؟، هل ترك الدين والعبادة؟، بل صبر وصابر وأخذ العبرة وجاءت بعدها غزوات حتى فتح الله على يديه، ومكنه من أعدائه وشانئيه، وإن لنا في التاريخ لعبرة فبغداد وما أدراك ما بغداد؟ مركزُ خلافة المسلمين ، ومنطلقُ جيوش المجاهدين ،ما ذا حصل لها سنة ستمائة وست وخمسين؟ لقد سقطت الخلافة الإسلامية وقتل أكثرَ من مليونِ مسلم ، وتحول نهرُ دجلةَ إلى اللون الأزرق ؛لكثرة ما ألقي فيه من كتب العلم ، وتحول ماؤه إلى اللون الأحمر لكثرة ما أريق من دماء المسلمين ، وتعفنت الجثث ،وانتشر الوباء وانتهكت أعراض النساء فهل انتهت الدنيا؟هل أفل نجم المسلمين؟ هل انقطعت انتصاراتهم ؟ بعدها بسنوات قليلةكانت الغلبة والتمكين للمؤمنين وهزم التتار شر هزيمة وطردوا من بلاد المسلمين فلا تنظروا إلى يومِكم ولكن استشرفوا المستقبل وتفاءلوا ،وهذه القدس السليبة وما أدراك ما القدس؟ ماذا حصل للمسلمين يوم أن استولى عليها النصارى في نهاية القرن الخامس وظلت تحت حكمهم أكثر من تسعين سنة ما يقارب مائة سنة وبعدها رجعت عزيزة بأيدي المؤمنين وأذل الله النصارى على يد القائد المجاهد صلاحِ الدين الأيوبي، فيا أيها المؤمنون أبشروا وأملوا فوالله أني لأرى بصيصَ النور في هذه الظلمة الحالكة، و عسى الله أن يأتيَ بالفتح أو أمر من عنده .
الوقفة الرابعة: فيه توجيه للمؤمنين أن يعبدوا الله ويجاهدوا ويبذلوا كل غال ونفيس في سبيل الله وفي سبيل نصرة دين الله وإعلاء كلمة الله ولا ينتظروا شيئًا من الدنيا حتى النصر والتمكين على العدو قد لايحصل لهم حتى تصفوا نياتهم وتصل إلى درجات عالية من الإخلاص والصدق والتجرد وهنا يأتي النصر ، (قال عبدالله بن رواحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة -ونقباء الأوس والخزرج يبايعونه على الهجرة إليهم قال له: اشترط لربك ونفسك ما شئت ، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم ، قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك ؟ قال:(الجنة) ، قالوا ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل ) ، نعم الجنة فقط ولا شيء من حطام الدنيا ، لم يقل جزاؤكم النصرُ والتمكين وإقامةُ الدولة المسلمة ،ولكن ربَّاهم على الإخلاصِ والتجردِ في أبهى وأعلى وأجلى صوره حتى من الأمور الدنيوية التي فيها مصالح شرعية ،فلما صفت النفوس وخلصت قامت دولتهم ،ومكن الله لهم وثبتهم عند لقاء عدوهم.
الوقفة الخامسة: في الآية إشارة إلى قرب النصر (ألا إن نصر الله قريب ) ، فعندما تتدبر قوله ( لايغرنك ) أي لا تخدع ببهرجة كلامه ونصرهم الزائف المزيف فهو تقلب وليس بثابت ولا حقيقي ،و لكن العجلةَ سمةٌ من سمات البشر فجاءت الآيات لتعالج قلوب المؤمنين حتى يكونوا أكثرَ أناةً، وأعمقَ نظرة للأحداث ، وأن طريقَ النصر طويل، وليس بهذه السهولة، طريقٌ فيه أشلاء ودماء