فهرس الكتاب

الصفحة 1399 من 2003

فإن لله سبحانه وتعالى عادة لوْ تغيّر وتبدل كل شيء لم تتغير ولم تتبدل، نافذة في ممالكه بلا ممانع، قاهرة لخلقه بلا مدافع، مصدرها الحكمة والرحمة وشمول القدرة مع القيام بالقسط .

فمنها ما يظهر العلم به لكثير من الخلق، ومنها مالا يعلمه إلا القليل منهم، ومنها مالا يعلمه سواه سبحانه .

فمن أمثلة ما يخفى على كثير من الناس من عادة الرب وسنته لاسيما أهل النفاق تأخير نصر الدين وأهله وهو على الحقيقة بالرغم من شدة وَطْأته وثقل حمله نصر خفي مَوْصول بالنصر الجلي، فلابد من هذا للمؤمنين إذا قاموا بنصرة الدين، وهو لطف بهم كما حصل في غزوة أُحد .

وتأمل كلام الإله وتعرّف على سننه التي لا تتبدل، ترى أنها تشتد الحال ويعظم الكرب حتى يقول الرسول والمؤمنون معه: {متى نصر الله} . فيكون الجواب من الولي النصير: {ألا إن نصر الله قريب} ومثله: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا} فيقول تعالى: {أتاهم نصرنا} .

وهُنا يَرِدُ سؤال يكون في جوابه كشف المستور المخبأ عن علم أكثر الخلق، والسؤال هو: هل الرب عز وجل كان خاذلًا لرسله وعباده المؤمنين في شدتهم ثم إنه بدالَهُ بعد أن ينصرهم حينما قال تعالى: {ألا إن نصر الله قريب} وحينما قال: {أتاهم نصرنا} .

الجواب: تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا وإنما من أسرار الأقدار أن يكون الابتلاء خفيًا والمحنة مستورة {ليميز الله الخبيث من الطيب} وإلا فالرب سبحانه لا يستجد له جديد كان خافٍ عليه قبل ولا يؤثر في قدرته مؤثّر من دونه كيف ومقاديره جارية على سنته، سابقة لخلقه .

وتمام جواب السؤال هو أن الرب سبحانه وتعالى لم يتخل عن رسله وعباده المؤمنين، ولم يخذلهم وقت شدتهم ووقت الغلبة التغريرية الاستدراجية لعدوهم والتي هي غير مستقرة ولا مستمرة وإنما ليظهر معلومة وآياته وعجائب قدرته، وحيث إن الكمائن تظهر عند المحن فمن أعظم ذلك ظهور كمائن المنافقين وظنهم السوء برب العالمين ألا ينصر من نصر دينه .

وحِكَمٌ غيرها عظيمة القدْر ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه (زاد المعاد) في كلامه على غزوة أحد أحببت نقلها هنا لما فيها من العبرة والعِظة ولِمشابهة الحال وإن لم يكن من كل وجه، {ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة} .

قال رحمه الله تحت عنوان: ( فصل في ذكر بعض الحِكَم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحد ) :

(فمنها) تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل (1) والتنازع وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك كما قال تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ماتحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت