فهرس الكتاب

الصفحة 1400 من 2003

فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول وتنازعهم وفشلهم كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظة وتحرزًا من أسباب الخذلان، [ ولم تكن معصيتهم إلا مخالفة الرماة مَوْضعهم الذي أمرهم الرسول r بلزومه فبسبب تلك المخالفة جرت الأمور الكبيرة من إدالة العدو وغير ذلك من الأمور المحزنة، فكيف بمخالفاتنا التي لا تحصي ؟ ] .

(ومنها) أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم جَرَتْ بأن يُدَالوا مرة ويُدال عليهم أخرى لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المسلمون وغيرهم ولم يتميّز الصادق من غيره، ولوْ انْتُصِرَ عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين ليتميَّز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاؤا به ممن يتبعهم على الظهور والغَلبة خاصة .

(ومنها) أن هذا من أعلام الرسل كما قال هرقل لأبي سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم ، قال: كيف الحرب بينكم وبينه ؟ قال: سجال، ندال عليه ويُدال علينا، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة .

(ومنها) أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطارَ لهم الصّيت دخل معهم في الإسلام ظاهرًا من ليس معهم فيه باطنًا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أن سبّب لعباده محنة ميّزت بين المؤمن والمنافق فأطلع المنافقون رؤسهم في هذه الغزوة وتكلموا بما كانوا يكتمونه وظهرت مخبآتهم وعاد تلويحهم صريحًا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقسامًا ظاهرًا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوًا في نفس دُورهم وهم معهم لا يفارقونهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم، قال الله تعالى: {ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} . أي ماكان الله ليذركم على ما أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميّزهم بالمحنة يوم أحد {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} الذي يميز به بين هؤلاء وهؤلاء فإنهم متميزون في علمه وغيبْه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزًا مشهودًا فيقع معلومه الذي هو غيب شهادة، وقوله: {ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء} استدراك لما نفاه من اطلاع خلقه على الغيب كما قال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول} فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يُطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر والكرامة [ ومن هذا الغيب أن يسْتيقن المؤمن أن الله ينصر دينه لا محالة ] .

(ومنها) استخراج عبودية أوليائه وحزبه في السّراء والضراء وفيما يحبون وما يكرهون وفي حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتوا على الطاعة والعبودية فيما يحبون وما يكرهون فهم عبيده حقًا، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد من السراء والنعمة والعافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت