فهرس الكتاب

الصفحة 1430 من 2003

أُكَيْدِرِ ، فقال خالد: (( يا رسول الله كيف لي به وسط بلاد كَلْبٍ وإنما أنا في أناس يسير ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( ستجده يصيد البقر فتأخذه ) )) [3] . فتشجع خالد وصار إليه فوجده على الحال التي وصف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخذه.

وبعد عامين فقط تجمعت قبائل كلب ومن جاورها من بني تميم ومعهم أحياء قضاعة عند دومة الجندل فتحرك إليهم خالد في جيش أقل منهم بكثير جدا وذبحهم في الحصون وحولها .

وبعد عامين فقط ركب خالد بن الوليد في نفر يسير ـ بالنسبة لقوات العدو ـ لمن ارتد من العرب من غطفان وبني حنيفة ثم صار إلى أهل العراق والشام فأتى على قوى الكفر كلها من عرب وفرس وروم في هذه البلاد . وما تردد في معركة . وما انهزم .

ما الذي حدث ؟

خالد هو خالد . بل . كَبُرَ سنه ورقَّ ـ بعض الشيء ــ عظمه ، كيف يَهزم كل هذه الجيوش المتماسكة المجتمعة وكيف يقتل كل هذا العدد من البشر ؟ [4]

حدث هناك نوع من التغيير في المفاهيم والتصورات الداخلية التي تُحرِّك خالدا بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ ومن معه ، نوع جديد من المفاهيم عن طبيعة المعركة وأسباب النصر والهزيمة ، جعلت خالدا يُحدث كل هذا الأثر في واقع الناس . وتدبر هذين الموقفين:

يوم اليرموك جاء أحدهم يخوفه من الروم وقد أقبلت كالسحابة السوداء تسد الأفق ، تموج بهم الأرض كما يموج البحر ، صوتهم كالرعد . كما يصف ابن كثير ـ رحمه الله ـ على لسان من حضر المعركة . والمسلمون قلة ، جاء يقول لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر [ أي من الله ] [5] ، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد.

وحين همَّ بعبور بادية الشام من العراق إلى اليرموك تخوف من معه واستداروا كأنهم يريدون مراجعته في أمر العبور إلى الشام فقام فيهم خطيبا بهذه الكلمات ( اعلموا أن المعونة على قدر النية ، والأجر على قدر الاحتساب ، فأروا الله من أنفسكم خيرا يمدكم بمدده ) .

خالد بالأمس القريب ، حين أُمِرَ بالتوجه لأُكيدر يحسب للعدد حساب وينادي: كيف وإنما أنا في نفر يسير ، وهو اليوم يلغي عامل العدد من أسباب النصر والهزيمة .

وخالد يتمنى شفاء فرسه ليكون أنشط في القتال مقابل أن يزيد جيش الروم ضعفا كاملا . أهذا خالد يوم أحد والحديبية ؟!

وخالد يُقدم على عبور المفازة سالكا طريقا لا يقول عاقل أن جيشا يسير به وينجو ، معتمدا على أن ( المعونة( من الله ) على قدر النية ) فهو يتكلم بأن السبب المطلوب بذله لعبور هذه المفازة هو صدق اللجوء إلى الله وحسن التوكل عليه . ويُذكِّر من معه بالاحتساب حتى لا يضيع الأجر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت