إن العامل الأساسي هو العقيدة وليس شخص خالد رضي الله عنه ، فكما رأيت حدثت نقالات نوعية في شخصية خالد وما أنجزه بعد الإسلام وهذا الأثر ازداد تدريجيا بثبات الإسلام في صدر أبي سليمان ـ رضي الله عنه ـ ، كما علل هو رضي الله عنه وأرضاه .
يزداد هذا الأمر وضوحا في ذهنك أخي القارئ حين تتذكر أن الفتوحات الإسلامية لم تتأثر مطلقا برحيل خالد عن القيادة ، وإنما برحيل الجيل الأول من الصحابة ومجيء من كانوا أقل شأنا في أمر الدين .
ويزيد من هذه الفرضية أن النصر والهزيمة وطبيعة المعركة من حيث أطرافها له تصور خاص في الشريعة الإسلامية . فالشريعة تتكلم عن حضور الملائكة القتال تثبت الذين آمنوا وتلقي الرعب في قلوب الذين كفروا . { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [ الأنفال: 12] . وحضور الملائكة الكرام متوقف على تقوى الله لا على عدد المسلمين وعتادهم ولا على كونهم منتسبين للإسلام فقط يقول الله { بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [ آل عمران: 125] . وفي التصور الإسلامي عن النصر والهزيمة العدد ليس من الأهمية بمكان فـ { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة: من الآية 249] ، وفي التصور الإسلامي عن النصر والهزيمة أننا ستار لقدر الله سبحانه وتعالى ، فالله ينفذ من خلال عباده قدره ويظهر آثار صفاته ، فما علينا إلا أن نأخذ بالأسباب المتاحة للنصر والله ينصر من ينصره ،وفي الشريعة الإسلامية الهزيمة سببها الذنوب ـ ومنها التقصير في الأخذ بالأسباب المتاحة كما أمر الله ـ قال الله" { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عمران: 165] . وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن"
يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [ آل عمران: 152]
والشاهد: أن هذه معارف يكتسبها أحدنا بقراءتها فقط إن صدَّق المخبر بها ، أما أن تستيقن منها وتصطبغ بها وتتعامل من خلالها فهذا لا تناله في يوم وليلة ، فالشهوات والشبهات تتصارع مع خطاب الوحي ولا يستقر الإيمان في القلب إلا بعد حين .. . وبين حين يجد من يناوشه ويريد زحزحته فإن لم ينتبه تزحزح [6] .
وحين استقرت هذه المعاني في قلب خالد ورفاقه تغيرت أسباب النصر ، لا من خالد ولكن من الصياغة الجديدة التي صاغتها العقيدة لخالد ورفاقه .