وانتصر الصحابة _ باتباعهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى خالطت السنة أمشاجهم ، وجرت في دمائهم ، هذا أبو بكر _ يصر بكل شدة أن يقاتل مانعي الزكاة ويقول: ( والذي نفسي بيده لأن أقع من السماء أحب إليّ من أترك شيئًا قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أقاتل عليه ) ) فقاتل مانعي الزكاة حتى رجعوا إلى الإسلام .
أما عُمَر ابْنَ الْخَطَّابِ _ فقد التفت إلى الحجر الأسود وهو يطوف فقال له: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ قَالَ فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ ـ وهو المشي بهرولة ـ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ ـ أي نظهر فيه قوتنا للمشركين ـ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ ) رواه البخاري .
هكذا تنتصر الأمة حينما تتبع هدي حبيبها محمد صلى الله عليه وسلم ، هكذا تظهر على كل الأمم حينما تسير على هداه ، ولا تتنكب عنه ، القوة مصدرها ، والنصر حليفها ، وما من أمة تعرض عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويأتيها يوم يزول عرشها ، وينهد بنيانها ، فعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه ، قال: لما فتحت قبرس فرق بين أهلها ، فبكى بعضهم إلى بعض ، فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي ، فقلن أبا الدرداء: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله فقال: ويحك يا جبير: ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره ، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك ، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى .
قال أبو القاسم الجنيد: (( الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع سنته ، ولزم طريقه ، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه ) ).
وانتصر الصحابة يا أحبة بتطهير النفوس ، فقد قرن الله تعالى الفلاح بتزكيتها فقال تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } .
كيف نسأل كيف انتصر النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نعلم أنه كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا ) رواه البخاري .
ويهذب نفسه بالصيام ، والصدقة ، ولا يفتأ عن الذكر ، ولا يغفل عن حسن التفكر في نعم الله وآلائه ، وعلى الطريق سار أصحابه الكرام _ يطهرون أنفسهم من متعلقات هذه الدنيا ليصنعونها نفسًا أبية تعشق النصر ولا ترضى بغيره .
قال الحسن: تزوج عثمان ابن أبي العاص امرأة من نساء عمر بن الخطاب بعد طلاقها منه ، فقال: والله ما نكحتها حين نكحتها رغبة في مال ولا ولد ، ولكن أحببت أن تخبرني عن ليل عمر ، فسألها: كيف كانت صلاة عمر بالليل ؟ قالت: كان يصلي العتمة ، ثم يأمر أن نضع عند رأسه تورًا ( إناء