فهرس الكتاب

الصفحة 1437 من 2003

أما بعد: فيا أيها الأكارم ، لعلكم تنتظرون مني أن أقول لكم أن من أهم أسباب نصر الصحابة هو اجتماع كلمتهم ، وإيمانهم بأن الوحدة سبيل إلى النصر ، وأن تنازع القلوب ، وتفكك الكلمة سبيل إلى الهزيمة ، إنها التربية الربانية التي انقادت لها تلك النفوس الطيبة ، ألم يقل الله تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } ، ألم يقل الله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } .

أي نفس نشأت على حب التنازع وعشق الفرقة فهي نفس مهزومة ولا شك ، أي نفس تسعى في تشتيت الشمل ، وتمزيق الاعتصام فهي نفس هابطة مهينة .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ ) رواه الترمذي وصححه .

ألا تتفق معي ـ يا رعاك الله ـ أن الأمة اليوم تلاقي جبهة عدائية شرسة من الخارج ، لم تقف عند الاعتداء على حدودها أو أخلاقياتها بل تعدت إلى سوء الأدب على ربها وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم ، فما أقبح أن نكون فرقًا شتى ، يستغل العود فينا كل ثغرة أو ضعف فرقة ، وإن هذه الوحدة تبدأ من ألفة الزوجين إلى الأبناء إلى الجيران إلى المجتمع من حولنا إلى البلد بكامله إلى الأمة بأسرها ، هكذا كالبنيان المرصوص ، فإن الله يقول: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } ، فما أروعها من نفس تتطهر الآن عن كل الأحقاد عن كل الضغائن ، لتعود من جديد نفسًا طاهرة لا تعرف إلى الحق طريقًا ولا إلى الحسد مسلكًا ، تتزاور في الله ولله ، وتعمر قلوبها بالمحبة الصادقة من دون غبش الدنيا ولا عتمتها ، تتناصح من أجلها سعادتها ، وتتحاور من أجل اجتماعها ، ويعذر بعضها بعضا ، ويصفح بعضها عن بعض .

وللحديث عن أسباب نصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية إن بقي في العمر بقية .

صلوا على القدوة العظمى ، والأسوة الحسنة ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، واحم حوزة الدين ، وانصر عبادك الموحدين ، اللهم احفظ هذه الأرض من شر الأشرار ، وكيد الفجار ، اللهم من أرادها وبلاد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل كيده تدميرًا له ، اللهم رد كيده في نحره ، واجعله عبرة لمن يعتبر ، اللهم إنك أنت القوي فأمدنا بقوتك ، وإنك أنت الحليم فأسبغ علينا حلمك ، وإنك أنت الرحيم فأنزل علينا سكينتك ، وإنك أنت الرزاق فامنن علينا بكريم رزقك ، وإنك أنت العفو فاسترنا بعظيم عفوك ، اللهم انصر إخواننا المسلمين في كل مكان ، وأمدهم بمدد من عندك وجند من جندك ،واحفظ ديارهم وأموالهم وأهليهم ، ورد عنهم بقوتك وجبروتك ، اللهم وفق أولياء أمورنا للعمل بما يرضيك ، واجعلهم هداة مهتدين ، سلمًا لأوليائك ، حربًا على أعدائك ، ووحد على الحق كلمتهم ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت