الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفًا [النساء: 76] . {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} {المنافقون 8}
والكافر يألم كما يألم المؤمن، ولكن ألم المؤمن يخف، لأنه يرجو من ربه النصر في الدنيا والثواب في الآخرة، ولذلك لا ينبغي للمؤمن أن يظهر الضعف لعدوه، بل عليه أن يتجلد ويريه من نفسه القوة: {ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون، وكان الله عليمًا حكيمًا} [النساء: 104] .
وقد سبق الحديث المتفق عليه أن المشركين لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى مكة لعمرة القضاء، قالوا: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء عليهم [راجع ما سبق في الخيلاء في الحرب] .
فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يظهروا للمشركين أنهم أقوياء، بالإسراع في الطواف في الأشواط الثلاثة التي كان الععدو يرونهم فيها، وفي الشوط الرابع الذي لا يرونهم فيه راعى ضعفهم، فلم يكلفهم الإسراع فيه، كل ذلك من أجل أن يرى المشركون من جند الله قوة وجلدًا.
ولقد نهى الله عباده المؤمنين عن الاستسلام وإظهار الضعف والحزن، وذكَّرهم بأنهم هم الأعلون على عدوهم، حتى في حالة نيله منهم وانتصاره عليهم، كما قال تعالى: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139] .
قال ابن جرير رحمه الله:"وهذا من الله تعالى ذكره تعزية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد، قال ولا تهنوا ولا تحزنوا يا أصحاب محمد، يعني ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأُحد، من القتل والقروح عن جهاد عدوكم وحربهم.. ولا تحزنوا ولا تأسوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم أنتم الأعلون، يعني الظاهرون عليهم، ولكم العقبى في الظفر والنصرة إن كنتم مؤمنين) [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/102) ] ."
ويذكر الله المؤمنين بأن ما أصابهم يوم أحد، قد أصاب أعداءهم يوم بدر، وأصابهم شيء منه كذلك يوم أحد، وأن أيام الله التي يلتقي فيها أولياؤه وأعداؤه دول بين المسلمين وبين المشركين، إذا أخذ المسلمون بأسباب النصر أدالهم على عدوهم كما حصل يوم بدر، وإذا فرطوا فيها أدال عليهم أعداءه، كما حصل يوم أحد، ليميز الله صادق الإيمان من غيره، وليختار من المؤمنين - الذين انتهت آجالهم - شهداء تكريمًا لهم، كما قال تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 140، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/103) وكذلك الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4/216-217) ] .