ويصغي جند الله لهذه الآيات التي تثير فيهم عزة الإيمان، فينسون ما أصابهم من قتل وجراح، ويدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم والدماء تسيل من أجسادهم، لملاحقة المشركين بعد انتهاء معركة أحد، فيستجيبون له ويخرجون في أثر العدو حتى بلغوا حمراء الأسد، ليرى الناس أن به صلى الله عليه وسلم وبأصحابه قوة: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} [آل عمران: 172، وانظر جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/176) ] .
ويوحي شياطين الجن إلى شياطين الإنس، أن يبثوا إشاعات كاذبة في صفوف المؤمنين لتخويفهم من أعاد الله، فيأتيهم من يقول لهم: إن المشركين قد جمعوا لكم جموعًا لا طاقة لكم بها، فيثبتهم الله ويزدادون إيمانًا على إيمانهم، فلا يخافون إلا الله، بل يعتمدون عليه ويتوكلون عليه وحده: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] .
قال ابن جرير رحمه الله: (والناس الأوّل، هم قوم فيما ذكر لنا كان أبوسفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين، خرجوا في طلبه بعد منصرفه من أحد إلى حمرراء الأسد، والناس الثاني، هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأحد...) [جامع البيان (4/178) ] .
وعن عائشة رضي الله عنها: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: (من يذهب في أثرهم؟) فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال كان فيهم أبو بكر والزبير [صحيح البخاري رقم: 4077، فتح الباري (7/373) ] .
وبعد: فقد رأيتَ من هذه النصوص من الكتاب والسنة أن المؤمنين مهما أصابهم من البلاء، ومهما بدا أن عدوهم انتصر عليهم، حتى لو أصاب نبيهم بالجروح وقتل عمه حمزة وغيره من صناديد الصحابة، فإنهم هم الأعلون لا يضعفون ولا يستكينون، بل يظهرون لعدوهم القوة من أنفسهم بمطاردته وإظهاره بمظهر المهزوم في النهاية، فأين المنتسبون إلى الإسلام اليوم من هذه المعاني العالية التي سطرها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفيهم أسوة حسنة؟ إن المنتسبين إلى الإسلام اليوم ليروع غالب قادَتِهم شعوبَهم، ويدخلون عليهم الرعب من قوة أعداء الله، ويدعونهم إلى الاستسلام للكافرين ويركع غالب أولئك القادة لأولئك الأعداء ويذلون لهم، ناسين هذه المعاني الرفيعة وتلك الصفات الحميدة، في الأجداد الأوائل الذين لا يزالون يعيشون على فتات موائد جهادهم وتضحياتهم فلا حول ولا قوة إلى بالله.