الإقامة في أرض المعركة ثلاثة أيام بعد الانتصار على الأعداء
قد ينتصر في أول المعركة أحد الخصمين، وقد يستمر له النصر إلى النهاية، وقد لا يستمر بل قد يدال عليه خصمه، وليس النصر هو أن يصاب العدو بالقتل والجروح وأخذ الأموال والغنائم فقط، بل ذلك ومعه شعور العدو بالهزيمة الساحقة التي ييأس معها من العودة إلى المحاربة، وشعور الغالب بأنه الأعلى الذي أصبح مسيطرًا وبيده زمام أمر المعركة السابقة، ويأمل أن يكون له النصر كذلك في معركة لاحقة.
ومن علامة الشعور بالهزيمة الساحقة أن يولي العدو هاربًا لا يدري ما خلفه، بل لا يهمه إلا أن ينجو بنفسه، وهذا ما حصل في معركة بدر بالنسبة للمشركين فإنهم ولوا فارين مدبرين لا يلوون على شيء.
لا بل إن المشركين في أحد، وكانت الغلبة في ظاهرها لهم على المسلمين، ولكنهم لم يحافظوا على ذلك الغَلَب وذلك الانتصار عندما ولوا مدبرين، والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تسيل أجسادهم دمًا من جروح المعركة يتابعونهم، فكان ذلك ضربًا من الهزيمة، بخلاف المسلمين فإنهم -وإن بدا أنهم هزموا في المعركة فكان منهم سبعون قتيلًا وجرح الكثير منهم حتى نبيهم صلى الله عليه وسلم- مع ذلك أخذوا زمام مبادرة النصر بمتابعة المشركين، وهم على تلك الحال وفر المشركون عندما علموا بخروجهم إلى حمراء الأسد، وقد مضى ذلك قريبًا في المبحث السابق.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حافظوا على انتصارهم في غزوة بدر، فأقام صلى الله عليه وسلم بها ثلاثًا، وكانت تلك عادته إذا غلب عدوه أقام بمكان المعركة ثلاثًا.
كما في حديث أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذِفوا في طُوى من أطواء بدر، خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحله... الحديث [البخاري رقم الحديث: 3976، فتح الباري (7/300) ومسلم (4/2203) ] .
وقال الحافظ في الفتح:"وقال ابن الجوزي: إنما كان يقيم ليظهر تأثير الغلبة، وتنفيذ الأحكام، وقلة الاحتفال، فكأنه يقول: من كان فيه قوة منكم فليرجه إلينا) [فتح الباري (6/181) ] ."
وقال ابن القيم رحمه الله:"ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرصتهم ثلاثًا، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثًا، ثم ارتحل مؤيَّدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له...) [زاد المعاد في هدي خير العباد (2/100) وراجع البداية والنهاية لابن كثير (3/303) ] ."
مواصلة التدريب القتالي وعدم القعود عنه