والأمر الثاني: نصر الله تعالى إياهم الذي سيفرحون به، ولذلك قال سفيان الثوري الذي روى القصة - بسنده إلى ابن عباس - بعد ذكر قوله تعالى: {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله} قال: فبلغني أنهم غَلَبُوا يوم بدر.
لذلك كان من السنة أن يبعث المنتصرون بشيرًا يبشر المسلمين بالنصر.
وقد بوب البخاري في صحيحه لحديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه في قصة هدمه صنم خثعم - ذا الخَلَصة - فقال:"باب البشارة في الفتوح"
وأورد الحديث عن جرير قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا تريحني من ذي الخلصة؟ وكان بيتًا فيه خثعم، يسمي كعبة اليمانية فانطلقتُ في خمسين ومائة فارس من أحمس-إلى أن قال-: فأتاها، فحرقها بالنار وكسرها، ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أبا أرطاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك، فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب قال: فبَرَّك النبي صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات [الحديث رقم 3076، 4357، فتح الباري(6/189، 8/70) ] .
وقال ابن كثير في البداية والنهاية:"وقد بعث عليه السلام - أي بعد بدر - بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر: أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة، والثاني زيد بن حارثة إلى السافلة... قال أسامة: فلما قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو واقف بالمصلى، وقد غشيه الناس، وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البختري العاصي بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، قال قلت: أبه أحق هذا؟ قال: أي والله يا بُنَي [البداية والنهاية (3/3033-304) ] ."
وكانت البشارة بما يسر من الأمور التي يسارع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، بل ويكافئ من بُشِّر بما يسره المُبَشِّرَ على بشارته، وقد بوب البخاري رحمه الله لذلك فقال:"باب ما يعطى البشير"وأشار إلى قصة كعب بن مالك رحمه الله، فقال:"وأعطى كعب بن مالك ثوبين حين بُشِّرَ بالتوبة"
وقصة كعب في الصحيحين وفيها: (فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي، وضاقت بي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفَى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، فقال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء فرج - إلى أن قال: - فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما) [البخاري رقم: 4418،فتح الباري (8/113) ومسلم (4/2120) ] .