والأولى تنزيل ذلك على حالتين: فالمنع حيث لم يكن هناك غرض راجح، كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد تبلغ التحريم.
والاستحباب حيث يكون ذلك بقرب مكان فاضل كما نص الشافعي على استحباب نقل الميت إلى الأرض الفاضلة، لملة وغيرها والله أعلم"اهـ"
ولكن ما جرى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه دفن الميت في مكان موته - في الأغلب - فالأولى عدم النقل.
التبشير بالنصر والفتح
الطائفة من الناس التي تشترك في بعض الأمور، كالعقيدة - أي عقيدة - أو التجارة، أو الأرض، يُسَرُّ أفرادُها إذا انتصروا على عدو لهم ينافسهم في شيء أو يحاول القضاء عليهم، ويحزنون إذا انهزموا وانتصر عدوهم.
وإذا أفرز جيش منهم لمحاربة ذلك العدو، فإنهم يتطلعون لأخباره ويتابعونها، ويودون أن تأتيهم تباعًا وأولًا بأول، لما في نتائج ذلك من السرور أو الحزن، والبقاء أو الفناء.
بل إنهم ليودون أن ينتصر من هو أقرب إليهم في العقيدة أو الفكر أو غير ذلك على من هو أبعد، ويتطلعون لأخباره كما يتطلعون لأخبار جيشهم.
وكان هذا واضحًا في أول الإسلام بمكة عندما انتصرت فارس، وهم وثنيون على الروم، وهم أهل كتاب، ففرح المشركون بذلك، وأخذوا يفخرون به على المسلمين، لأن أهل فارس والمشركين من العرب أهل أوثان، والروم أهل كتاب، كالمسلمين - في الجملة - وكان المسلمون يحبون أن تنتصر الروم على فارس، لما في ذلك من الإغاظة للمشركين وإنذارهم بأن الغلبة ستكون للمسلمين عليهم من باب أولى، لأنهم أهل الكتاب الحق، فذكر أبو بكر رضي الله عنه ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنهم سيهزمون، فذكر ذلك أبو بكر للمشركين.. فقالوا: أفنجعل بيننا وبينكم أجلًا، فإن غَلَبُوا كان لك كذا، وإن غَلَبْنا كان لنا كذا، فجعلوا بينهم وبينه أجلًا خمس سنين.
قال فمضت فلم يَغْلِبوا-أي الروم- فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أفلا جعلته دون العشر... والبضع ما دون العشر... فَغُلِبَ الروم، ثم غَلَبَت، فذلك قوله: {ألم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله... } [الروم: 1-5] .
فقد بشر الله المؤمنين بأمرين:
الأمر الأول: غَلَب الروم على فارس كما مضى.