وفي رواية: فقال أبو سفيان: أَدارِي؟ فقال النبي صلى اله عليه وسلم: (نعم) [المصنف (5/376) رقم الحديث: 9739] .
وفي أخرى، فقال له - أي للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن أبا سفيان رحل يحب هذا الفخر، فلو جعلت له شيئًا قال: (نعم. من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق على نفسه الباب فهو آمن) [أبو داود (3/416) رقم الحديث: 3021، وانظر المبسوط للسرخسي (10/38) ] .
وأنت ترى أن هذا الأمر الذي أعطاه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان، لا يختلف عن أي دار في مكة، لأن من دخل داره أو دار غيره وأغلق الباب مشيرًا بذلك إلى عدم مقاومة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو آمن، ولكن ذكر أبي سفيان باسمه في ذلك الموقف طيَّب نفسَه، وجعله يتعجب ويستفهم: أداري، أداري؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعطه هذا الحق إلا بعد أن أسلم، كما في رواية أبي داود: (فأسلم بمر الظهران، فقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر...) الخ.
ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد عزم على قتل بعض المشركين وعدم تأمينهم والعفو عنهم، وخشي أن يدخلوا في لفظه العام في قوله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن...) استثناهم وأمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة وهم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح، فأما عبد الله بن خطل، فأُدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فقتل، وأما مقيس بن صبابة فأدركوه وهو في السوق فقتلوه أيضًا، وأما عكرمة فقد فر في سفينة في البحر، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، وأما عبد الله بن أبي السرح، فقد اختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه النبي أن يبايعه وهو ينظر إليه ولم يبايعه ثلاث مرات، وفي الرابعة بايعه وهو غير راض عنه، ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال: (ما كان منكم رجل شديد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) [انظر مضمون هذه القصة في صحيح البخاري رقم: 4286، فتح الباري (8/15) ، وصحيح مسلم (2/989) رقم: 1357، وسنن أبي داود (3/134) رقم: 2685، وجامع الأصول (8/373) وما بعدها رقم: 6148، 6149، والمبسوط (10/38-39) ] .
كتبه
د . عبد الله قادري الأهدل
ــــــــــ