فهرس الكتاب

الصفحة 1483 من 2003

فالتشتت لم يتغير إلى تجمع إلا في أعين بعض المسلمين بسبب نقص يقينهم وذلة في قلوبهم، والمسكنة ما زالت مسكنة لم تتبدل إلى غنى إلا في تصور بعض المسلمين بسبب نقص يقينهم وفقرهم. والانهزام وعدم النصر عادة اليهود في الحروب ما بقيت السماوات والأرض، إلا أمام جيش مسلم شعاره الخوف، ورايته عدم اليقين بقوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111] ، والتشتت والتفرق خلق له، والخيانة من سلوكياته، فجيش يحمل صفات اليهود وشعارهم، وخلقهم، وسلوكهم، كيف ينتصر على جيش يهودي الأصل ؟ فاليهود في هذا العصر لم ينتصروا على جيش مسلم الإسلام الموصوف بالنصر، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] .

وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .

ولم يهزموا جيشًا مؤمنًا إيمانًا مبشَّرًا وموعودًا بالاستخلاف في الأرض، والتمكين في العالم، كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

فإن قلنا: هذا هو الجيش الموصوف بالنصر، لكن الواقع تغير، وإن ادعينا بأن هذا هو الجيش المؤمن الموعود بالاستخلاف والتمكين، لكن اليهود ليسوا هم اليهود، فهذا إثبات للتعارض بين الواقع والآيات، وتثبيت للتناقض بين الآيات والواقع، فهذا دليل على نقص اليقين، وبرهان على اليقين الناقص لدى بعض المسلمين، فالعيب ليس في اليهود، والواقع ليس هو السبب، بل:

نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا

فعيب الجيش المسلم شعاره (الخوف) ، وذنبه رايته (عدم اليقين) ، وسر هزيمته خلقه (الخيانة) ، وخطؤه سلوكه (التشتت والتفرق) .

فأي جيش يتصف بهذه الصفات عاقبته الهزيمة، وأي جيش هذه شعاراته وهذه أخلاقه وسلوكياته نهايته عدم النصر والتمكين.

وسبب تخلق هذه الصفات المانعة من النصر، وعلة تكوُّن هذه الشعارات والأخلاقيات والسلوكيات الجالبة للهزيمة: هو عدم التناهي عن هذه الصفات بين أفراد المجتمع المنبثق منه الجيش، وعدم إنكار هذه الأخلاق وتلك السلوكيات بين أعضاء الجيش، وسبب عدم التناهي وعدم الإنكار هو التضييق على الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت