وقد سُئل رسول الله: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها» ، فقال السائل ـ وهو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ـ: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين» ، قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (2) .
ولما سُئل: أيُّ الناس أفضل؟ قال: «مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» (3) .
وقد سُئل النبي عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُرى مكانه؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله» (4) .
والقتال في غير سبيل الله لا يوصل إلى نصر الله، ولا يُبلِّغ الناس رضى الله ـ سبحانه وتعالى ـ بل يؤدي إلى السخط والحبوط وميتة السوء، قال رسول الله: «من قاتل تحت راية عمية، يغضبُ لعَصَبَة أو يدعو إلى عَصَبَة أو ينصرُ عَصَبَة، فقُتِل فقِتلة جاهلية» (5) .
وفي رواية: «من قُتِل تحت راية عمية، يدعو عصبية أو ينصر عصبية، فقتلته جاهلية» (6) . والراية العمية ـ بضم العين وكسر الميم وتشديدها ـ هي عكس الراية الواضحة؛ فهي الاجتماع على أمر مجهول، لا يُعرف إذا كان حقًا أو باطلًا، قال النووي ـ رحمه الله ـ: «هي الأمر الأعمى لا يتبين وجهه، كذا قال الإمام أحمد. وقال: «هي أن يُقاتل لشهوة نفسه وغضبه لها، ويُؤيد هذا الحديث المذكور: (يغضب للعصبة، ويُقاتل للعصبة) ، ومعناه: إنما يُقاتل عصبيةً لقومه وهواه» . وإذا كان هذا يقال فيمن يقاتل على أمر مجهول، أو على عصبية جاهلية قبلية أو عنصرية أو حزبية غير شرعية؛ فما الحال فيمن يقاتل مع الكفار، أو يقاتل نيابة عنهم؟! هل يُعدُّ هذا أخًا، أو شريكًا، أو رفيق سلاح؟!
إن غياب هذه المعاني الشرعية (البدهية) وإحلال الشعارات الدنيوية اللادينية الدخيلة محلها عند بعض الناس، هو ما يهوِّن قضايانا، ويفضّ الصادقين عنها، وهذا ما حدث للقضية الفلسطينية طوال العقود التي رُفعت فيها الرايات العمية العلمانية، وغابت فيها الرايات الإسلامية.
ولما بدأ ظهور الأُطروحات الإسلامية، بظهور الفصائل الجهادية على أرض فلسطين في أواخر عقد الثمانينيات الميلادي، أي بعد أربعين عامًا من احتلال اليهود لها، مسَّت الحاجة إلى ترشيد هذا الجهاد وتقويمه ودعمه؛ حيث إن النُقلة من القاع إلى القمة لم تكن بالمهمة السهلة، والمجاهدون دائمًا يحتاجون إلى التسديد والتقويم والتناصح والتعاون على البر والتقوى، ولا عصمة لشخص أو فصيل أو جماعة بحيث لا تحتاج إلى نصح أو تذكير أو تقويم.
إن الجهاد عندما يكون في سبيل الله حقًا فإن الانتصار هنا يكون للمنهج المنَزَّل من السماء، قبل أن يكون للجنود المرصوصين على الأرض؛ ولذلك فإن انتصار المنهج ـ ولو كُسِرت الجيوش واستُشْهِد الجنود ـ لا يُسمى هزيمة؛ فالمنهج الحق لا يهزم، ولذلك لم يُهزم رسولٌ قط، وإنما يُبتلى أو يُصاب.