فهرس الكتاب

الصفحة 1486 من 2003

[الصف: 13] . صحيح أن العاقبة للمتقين، ولو بعد عشرات السنين، ولكنْ للنصر القريب أسباب تطوِي بُعدَه وتُقدِّم وقته، كما أن هناك من الأسباب ما يؤخرِّه، بل ما يرفعهُ ويمنعه.

إنَّ قول الله ـ تعالى ـ: {وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ} [الأنفال: 10] ، يقدِّم بدهيةً عقدية، وحقيقةً رسالية، وسنةً إلهية، إذا نُسيت أو أُهملت فإنها تتسبب في فصل صفة القرب عن وصف النصر، مع أن قُرْبَ النصر نعمة لا تقل عن نعمة النصر نفسه. والنصر القريب يزداد قربًا كلما اختصر طريقه، ولا سبيل إلى اختصار طريق الانتصار إلا بتحقيق أسبابه (الشرعية) ، ونُكرر: (الشرعية!) ؛ فإذا كان النصر من عند الله فلا بد أن تُستمد أسبابه من شريعة الله، وقد قال الله ـ تعالى ـ: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40] ، أي: ينصر مَنْ نصر دينه ونبيه - صلى الله عليه وسلم - .

بوسعنا إذن أن نقترب من النصر ـ بإذن الله ـ أو نبتعد عنه ـ عياذًا بالله ـ ولهذا دعانا الله للأخذ بأسباب الاقتراب فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

قال الطبري في تفسيرها: «إن تنصروا الله؛ بنصركم رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على أعدائه من أهل الكفر به، وجهادكم إياهم لتكون كلمته العليا؛ ينصركم عليهم ويظفركم بهم؛ فإنه ناصر دينه وأوليائه» (1) .

حقيقة النصر:

نعلم أن المجاهدين في فلسطين يجتهدون ـ زادهم الله توفيقًا ـ في الاقتراب من تلك المعاني، و لذلك فإن الكلام هنا عام، لا نخص به الفصائل المعروفة الآن فقط، بل هي وغيرها ممن سينضم إليها أو يلتحق بها، فلا يزال الطريق طويلًا، وستظل الحاجة ماسةً للتأسيس على معانٍ صحيحة.

جوهر الانتصار في الإسلام هو ما أشارت إليه غايات القتال والجهاد في سبيل الله، وأهمها ألا تكون فتنة بسبب علو الشرك والكفر، وأن تكون الدينونة لله، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، وعندما تتحقق هاتان الغايتان فإن طرق الخير تنفتح، وأعظمها: باب الهداية والاستقامة على الدين، وبذلك يكون النصر لدين الله، ويكون مفتاحًا للطريق إليه وعودة الناس له عز وجل. وقد حَوَتْ (سورة النصر) إشارة باهرة إلى هذا المعنى، في قول الله ـ تعالى ـ: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3] .

ففتح الطريق إلى الله وتيسير السير إليه هو المعنى الأساس لأنْ يكون الجهاد (في سبيل الله) ، ولهذا اقترنت آيات الجهاد والقتال في نصوص الوحي بِذكر (سبيل الله) . وسبيل الله ـ كما قال المفسرون ـ هو: «طاعة الله» . وعلى هذا؛ فكل جهاد لا يكون في طاعة الله ووفق دين الله فإنه لا يكون في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت