فهرس الكتاب

الصفحة 1489 من 2003

عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 165 - 166] .

ويلاحظ هنا أيضًا أن لفظ الهزيمة لم ينسب لهم، وإنما سُمي ما حدث مصيبة.

للنصر أقوام:

هناك من يهيئهم الله ـ تعالى ـ لتَنَزُّل النصر الإلهي عليهم، وهؤلاء هم أصلحُ الناس أعمالًا وأقربهم امتثالًا للحق وأخذًا به، ثم الأمثل فالأمثل، وهؤلاء يكرم الله الأمة بهم من أجل إخلاصهم. ولذلك كان أبو الدرداء يقول لأصحابه قبل المعركة: «عملٌ صالحٌ قبل القتال؛ فإنما تقاتلون بأعمالكم» (8) . وقد بوَّب البخاري ـ رحمه الله ـ في كتاب الجهاد بابًا بعنوان: «عملٌ صالحٌ قبل القتال» (9) . فالنجاة من فتنة الأعداء والانتصار عليهم إنما يكون بكثرة الصلاح وقلة الخَبَث، ليس في صفوف المجاهدين فحسب، ولكن في عموم الأمة التي تُمنَح النصر عن استحقاق، أو تخضع لسنن الابتلاء والتمحيص والتطهير.

وليس من قبيل الصدف أن يستقر وصفُ خلاصة الفرقة الناجية من هذه الأمة بـ (الطائفة المنصورة) ، والوارد ذكرها في الحديث المتواتر: «لا تزال عصابةٌ من أمتي يُقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم كذلك» (10) .

وحتى لا يقول قائلٌ: إن الحق هو كل ما يمكن أن يكون دفاعًا عن قضيةٍ عادلة، ولو كانت قوميةً أو وطنيةً أو تحت أي راية عمية علمانية؛ فإن الرواية الأُخرى من الحديث تُبين أن هذا (الحق) ـ الذي ينصر الله المتمسكين به والقائمين عليه ـ هو دين الإسلام نفسه؛ ففي رواية أبي أُمامة من ذلك الحديث جاء قول الرسول: «لا تزال طائفة من أُمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأْواء، فهم كالإناء بين الأكلة، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك» (11) . ونلاحظ هنا ـ أيضًا ـ أن الهزيمة لم تلحق بهم كوصف، وإنما جاء وصف اللأواء، وهو المصيبة أو البلاء الناجم عن شدة التربص بهم.

ووصفهم بالظهور هو وصف بالانتصار؛ فوصف (الطائفة المنصورة) مأخوذ من ذاك الظهور «على الحق ظاهرين» ، «على الدين ظاهرين» ، وهذا معناه أنهم لا يُهزمون هزيمة كاسرة قاهرة أبدًا، وإنما يبتلون بقدر ما يُصلحهم. وقد كان من دعاء وثناء النبي على ربه ـ عز وجل ـ أن يقول: «اللهم لا يُخلف وعدك، ولا يُهزم جندك» (12) .

انتصار الطائفة المنصورة لا يكون إلا بالحق وللحق؛ فالحق مقترن بمنهجهم وبغايتهم وبرايتهم، لهذا وُصفوا في الحديث بأنهم «على الحق ظاهرين» ، وأنهم «يُقاتلون على الحق» .

وهذا الحق ليس شيئًا آخر غير ما كان عليه النبي وأصحابه، ولذلك فإنه عندما أخبر عن افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، بعد افتراق اليهود ثم النصارى على إحدى وسبعين ثم اثنتين وسبعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت