فهرس الكتاب

الصفحة 1597 من 2003

تكلّم بعض الساسة، وكتب بعض الإعلاميين نقدًا للمقاومة باعتبارها تعرّض البلاد والعباد للخطر والضرر، وانضم للركب بعض أهل العلم فرأى أن عدم التكافؤ في القوة مسقط للمقاومة وموجب للمهادنة وكان الاستشهاد بآيات الأنفال التي فيها ذكر العدد المكافئ للمسلمين من أعدائهم، ومن هنا أقول: ما جاء في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ الأنفال:65-66 ] ، لا يصلح للاستدلال على منع جهاد ومقاومة العدو المحتل بحجة أن عدد المجاهدين المقاومين أقل من نصف عدد الأعداء، وذلك لأمرين أساسيين:

الأول: وهو الأكثر أهمية، وهو أن النص عن عموم المسلمين وليس عن المسلمين في بلد بعينه، أي يكون عموم المسلمين أقل من عدوهم، وقد مر بنا حكم وجوب الجهاد إذا نزل العدو بلاد المسلمين ووجوب نصرة المسلمين لإخوانهم الأقرب فالأقرب، وإذا نزَّلْنَا الأمر على الواقع فالمسلمون في فلسطين وما جاورها أكثر عددًا من عدوهم، وعندهم من أسباب وأدوات القتال ما لا يصح معه أن يُقال إنه لا يجوز لهم القتال، وهذا أمر مهم فليس الأمر يخص أهل بلد ولا هو متعلق بمجرد ما يقع بالعدوان من القتل والإتلاف بل هو حكم شرعي، فلو رضي أهل فلسطين - على سبيل المثال - بالاحتلال وامتنعوا عن مقاومته فلا يتغير الحكم بوجوب الجهاد لاستخلاص ديار المسلمين ومقدساتهم من العدو الغاصب، وما جد البوم من تسمية الدول وحدودها فضلًا عن أوضاع المعاهدات والاتفاقات بين بعض الدول وأعداء الإسلام من اليهود لا يغير من الحكم الشرعي شيئًا.

الثاني: أنه ورد في كلام المفسرين معان أخرى جديرة بالاعتبار ولها قوة في الاستدلال ، فقد روى الطبري في تفسير الآية عن ابن عباس رواية يقول فيها:"فلا يغرنَّك قولُ رجالٍ ! فإني قد سمعت رجالا يقولون: إنه لا يصلح لرجل من المسلمين أن يقاتل حتى يكون على كل رجل رجلان، وحتى يكون على كل رجلين أربعة، ثم بحساب ذلك، وزعموا أنهم يعصون الله إن قاتلوا حتى يبلغوا عدة ذلك، وإنه لا حرج عليهم أن لا يقاتلوا حتى يبلغوا عدَّةَ أن يكون على كل رجل رجلان، وعلى كل رجلين أربعة، وقد قال الله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } [سورة البقرة: 207] ، وقال الله: { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ } [سورة النساء: 84] ، فهو التحريض الذي أنزل الله عليهم في الأنفال، فلا تعجزن، قاتلْ، قد سقطت بين ظهري أناس كما شاء الله أن يكونوا" (تفسير الطبري 14/54،53) .وغاية ما نُقل في ذلك هو أن المسلمين إذا كانوا أقل من النصف من عدوهم لم يجب عليهم القتال، وعدم وجوبه لا يعني حرمته، فقد روى الطبري عن ابن عباس قوله:"وكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت