فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 2003

منهم ,عن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يُقاتلوا، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم" [ تفسير الطبري 8/52 ] ."

وقد مال الرازي إلى ترجيح القول بعدم النسخ فقال:"والحاصل أن الجمهور ادعوا أن قوله { الآن خفف الله عنكم} ناسخ للآية المتقدمة، , وأنكر أبو مسلم الأصفهاني هذا النسخ،وتقرير قوله أن يقال: إنه تعالى قال في الآية الأولى: { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } فهب أنا نحمل هذا الخبر على الأمر إلا أن هذا الأمر كان مشروطًا بكون العشرين قادرين على الصبر في مقابلة المائتين ، وقوله: { الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في حق هؤلاء ، فصار حاصل الكلام أن الآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص ، وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة ، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم ، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ البتة ."

فإن قالوا: قوله: { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } معناه: ليكن العشرون الصابرون في مقابلة المائتين ، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم .

قلنا: لم لا يجوز أن يقال إن المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين ، فليشتغلوا بجهادهم؟ والحاصل أن لفظ الآية ورد على صورة الخبر خالفنا هذا الظاهر وحملناه على الأمر ، أما في رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره ، وتقديره إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين فليشتغلوا بمقاومتهم ، وعلى هذا التقدير فلا نسخ..."وختم بقول:"إن ثبت إجماع الأمة على الإطلاق قبل أبي مسلم على حصول هذا النسخ فلا كلام عليهن فإن لم يحصل هذا الإجماع القاطع فنقول: قول أبي مسلم صحيح حسن" [ تفسير الرازي 8/202،201 ] ."

كما أن الرازي لفت النظر إلى المعاني والحقائق الإيمانية التي تحرر المسلم من الرضوخ لضغط الواقع عند ضعف إيمانه فقال رحمه الله:"واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى: { حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلًا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه".

وفي علة نصر المؤمنين على الكافرين بأنهم لا يفقهون قال قولًا نفيسًا جاء فيه:"أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة، وهو قوله: { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } وتقرير هذا الكلام من وجوه:"

الوجه الأول: أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد ، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية . ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزنًا ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت