أيها المسلمون، أيها المؤمنون، أيها المرابطون، لقد ذكرت كتب التفسير والسيرة النبوية أنه بعد أن وقعت غزوة أحد في السنة الثالثة للهجرة وحصل مع المسلمين ما حصل، انسحب أبو سفيان زعيم المشركين فرحًا، ونادى بأعلى صوته: يا محمد موعدنا موسم بدر القادم إن شئت. فأجابه عليه الصلاة والسلام مباشرة"نعم إن شاء الله تعالى."
رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وأصبح حذرًا ومتخوفًا من رجوع المشركين إلى المدينة ليتمموا غلبتهم، فنادى عليه الصلاة والسلام في أصحابه بالخروج فورًا خلف العدو وأمر أن لا يخرج معه إلا من شارك فقط في غزوة أحد، فاستجاب الصحابة إلى ذلك بعزيمة وإصرار بعدما أصابهم القرح وضمدوا الجراح وساروا حتى وصلوا إلى موقع يعرف"بحمراء الأسد".
وكان ما توقعه الرسول عليه الصلاة والسلام قد حصل فعلًا، فقد كان المشركون يجهزون أنفسهم للتوجه إلى المدينة المنورة، ولكن لما علموا بخروج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة باتجاه مكة، ظنوا أنه قد حضر معه من لم يحضر بالأمس، فألقى الله عز وجل الرعب في قلوب المشركين وأسرعوا بالتوجه إلى مكة.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، بينما كان الرسول عليه الصلاة والسلام في موقع حمراء الأسد ألقي القبض على أبي عزة الشاعر، وهذا الشاعر كان يهجو الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان يحرض المشركين على المسلمين بشعره، وقد سبق أن وقع أسيرًا في غزوة بدر الكبرى ومنّ عليه الرسول وقتئذ بعد أن تعهد أن لا يلفظ شعرًا يحرض فيه المشركين على مقاتلة المسلمين، إلا أن أبي عزة الشاعر لم يلتزم بتعهده، فأمر عليه الصلاة والسلام بقتل أبي عزة الشاعر فأخذ أبو عزة يتوسل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليمُنّ عليه مرة أخرى فقال عليه الصلاة والسلام: (( لا والله لا تمسح عارضيك بالكعبة، وتقول: خدعت محمدًا مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ) ) (1) [1] . وتعتبر غزوة حمراء الأسد رد اعتبار للمسلمين عما حصل لهم في أُحد.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، هذا درس واضح للمسلمين في كل زمان ومكان بأن لا ينخدعوا بأعمال المنافقين والمشركين وأن لا ينخدعوا بالذين ينقضون العهود والمواثيق، فالمؤمن ينبغي أن لا يلدغ من جحر واحد مرتين.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، لقد تمكن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم من تغيير الميزان لصالحهم بعد عام واحد فقط، وذلك في غزوة بدر الآخرة، وتعرف بغزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة للهجرة، حيث عسكر المسلمون في مكان بدر في حين أن المشركين لم يحضروا في المكان والزمان الذين سبق لأبي سفيان أن حددهما بنفسه، وحاول أبو سفيان إرجاء المسلمين واللعب بأعصابهم حتى لا يخرجوا إلى موقع بدر، إلا أن محاولاته قد باءت بالفشل.