وكان المسلمون وهم متوجهون إلى بدر يرددون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:172] وازداد المؤمنون إيمانًا، فعلينا أن نردد: حسبنا الله ونعم الوكيل، وبخاصة ونحن الآن في أمر عظيم ومأزق عصيب، فالله كافينا، وهو حسبنا، وهو ناصرنا وراعينا، وهو نعم المولى ونعم النصير، فقد ورد في الحديث النبوي الشريف: (( إذا وقعتم في أمر عظيم فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) ) (2) [2] وقد سبق أن ردد سيدنا إبراهيم عليه السلام هذه العبارة حين أُلقي في النار.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، لقد خرج المسلمون فعلًا، وأقاموا في موقع بدر ثلاثة أيام، وأقاموا أعمال تجارية بأمن وأمان، وعادوا غانمين سالمين، ويشير الله سبحانه وتعالى إلى ذلك الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:172] فهذه الآيات الكريمة تدعو إلى الثبات والصمود في المواقف الصعبة والحرجة وتدعو إلى التوكل على الله وإلى اللجوء إليه وإلى الخشية منه، فإنه لا ملجأ له إلا هو سبحانه وتعالى، فإن المؤمن الذي يلتصق بخشية الله، فإن الله عز وجل يسخر له المخلوقات كلها.
أيها المسلمون، أيها المؤمنون، لم ييأس المسلمون رغم ما حل بهم وما أصابهم في معركة أحد، لم يناموا، لم يستكينوا، لم يتهربوا من المسؤولية، ولم يتخاصموا على الكراسي والعروش، لم يطعن بعضهم بعضًا من الخلف، لم يستعينوا بالفرس أو الروم، لم يربطوا مصيرهم باجتماعات أمنية ولا مؤتمرات سياسية ولا مقررات أممية، كما يحصل الآن لدى حكام العالم الإسلامي، ومنه العالم العربي، لم يستسلموا للتمنيات والأوهام:
وما نيل المطالب بالتمني ... ... ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
وما استعصى على قوم منال ... ... إذا الإقدام كان لهم ركابا
أيها المسلمون، لقد مرت محن ومصائب على المسلمون في الماضي أيام حرب التتار والصليبيين وغيرهم، فكان أجدادنا يتجاوزون الصعاب بكل صمود وإصرار وتضحية، لأنهم كانوا يتقون الله ويخافونه ويخشونه، فقد ورد أنه سئل الإمام الحسن البصري: كيف تكون خشيتك لله؟ فأجاب السائل: إذا كنت في سفينة وتحطمت هذه السفينة، وبقي منها لوح واحد وعلقت بهذا اللوح، وأنت في الأمواج الهائجة فكيف يكون شعورك ؟ فأجاب: أكون في رعب شديد، فقال الحسن البصري رضي الله عنه: كذا تكون خشيتي لله في الليل والنهار.
أيها المسلمون، ابتليت أمتنا في القرن الماضي وفي مطلع هذا القرن بمحن ومصائب كُثُر، غير أن ذلك لن يفقدنا الثقة بالله عز وجل القائل: وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف:87] .
أيها المسلمون، إنما نمر به الآن يحفزنا بالرجوع إلى الله العلي القدير قولًا وعملًا، ويدفعنا للأخذ بالأسباب، فمن ينصرنا؟ إنه هو الله، ومن يحمينا؟ الله، ومن يحررنا؟ الله، ومن يغيثنا ويحيينا؟ الله، لا