الخطبة الأولى
أمّا بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102] .
إخوة الإسلام، حين تكثر الأزماتُ على الأمّة وتشتدّ عليها وطأة الحوادث فإنَّها تتلمّس طريقَ النصر، والذي ينبغي أن نعيشَ به دائمًا مهما اشتدَّت المحن هو الثقةُ بنصر الله، وأنَّه آتٍ لا شكَّ فيه، قال: (( والله، ليتِمّنّ هذا الأمر ) )أخرجه البخاري (1) [1] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ [الأنعام:34] . وفي مكّة حيث الشدائد والأهوالُ ترى الرسولَ يذكّر أصحابَه بضرورة التحمّل والصبر، وفي نفس الوقتِ يطمئِنهم إلى المستقبل الزاهر للإسلام، ويبثّ الثّقةَ في نفوسهم، وأنَّ دينَهم سيُنير الدنيا من مشرقها إلى مغربِها؛ لتستقرَّ في الأعماق روح التفاؤل والاستبشار والأمَل، وأنَّ المجتمعات لا تسعَد إلا في ظلِّ هذه المعاني. ذلك أنَّ الهزيمة النفسيةَ مِن أنكى وأمرّ وأشدّ الهزائم خطرًا على مستقبل الأمّة، وإنَّ واقع الذلّ والهوان هذا لا ينبغي أن يكونَ مسوِّغًا لليأس والقنوط.
إنَّ الثقةَ بنصر الله تولِّد السكينةَ في المحن، فعندما لجأ رسولنا إلى الغار، واقترَب الأعداء حتى كانوا قابَ قوسين أو أدنى شاهرِين سيوفَهم، قال أبو بكر رضي الله عنه: لو أنَّ أحدَهم رفع قدمَه رآنا، فردّ عليه رسولنا بكل ثقة: (( ما ظنّك باثنَين اللهُ ثالثُهما ) )أخرجه البخاري (2) [2] . ثقةٌ بالله ونصرِه، يقينٌ برفع البلاء، شعورٌ بمعيَّة الله تعالى.
ومن قبلُ يقِف موسى وجنوده عند شاطئ البحر، فيقول بعضهم: إنَّ فرعونَ مِن ورائنا، والبحر من أمامِنا، فأين الخلاص؟! قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] ، فيردّ نبي الله موسى عليه السلام في ثقة كاملةٍ بموعود الله: إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] ، فكان بعدها النصرُ والتمكين.
حينَ ينظر الإنسان إلى المكر الكُبَّار الذي يُكاد للإسلام والمسلمين في عهودٍ متطاولة، قتلٌ وتشريدٌ وتعذيبٌ، ومع ذلك يبقى الإسلام صامدًا والإيمان قويًّا، حين ينظرُ المسلم إلى هذا الواقع لا يساوِره شكّ في تحقُّق نصر الله، وأنَّ المستقبل لهذا الدين ولو بعدَ حين، والمبشِّرات لهذا الدّين شرعًا وواقعًا أكثر من أن تُحصَى، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِى الأَذَلّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:20، 21] ، وقال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] .
عبادَ الله، إنَّ الدين محفوظٌ بحفظ الله، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] ، فلا تخشَ على الإسلام، ولكن اخشَ على نفسك وإيمانِك وثباتك، قال تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم [محمد:23] .