إنَّ المبشِّرات بنصر الله لا تَعني تركَ العمَل والتواكُل والخلودَ إلى الدَّعة والكسَل، فنصرُ الله لا يتنزَّل على نفوسٍ لُوِّثت بالمعاصي، وقلوبٍ مستعبَدَة للشهوات، مدنَّسةٍ بالحِقد والغلِّ والحسَد، وأُخوَّةٍ دبّ فيها داء الفرقة والتنازع والتناحر والتمزّق، هذه سنّة الله التي يجِب أن نفقهَها ونتعامل معها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11] .
إنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم كانوا موقنِين بالنصر، وكان وعد الله وَقودًا لمزيد عملٍ وعطاء، عبادةٌ وبَذل في سبيل الله وتضحية، يبذل أحدُهم مالَه كلَّه في سبيل الله قائلًا: أبقيتُ لهم اللهَ ورسوله (3) [3] ، قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] .
قد يحصل أصحابُ الباطل على انتصارٍ مؤقَّت، لكن البناء الذي أُسِّس على قواعدَ فاسدةٍ لا بدَّ أن ينهار، ثمَّ تكون العاقبة للمتقين والنصر للمؤمنين، قال تعالى: لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196، 197] ، وعندما هاجر رسول الله وعده الله بقوله: إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85] ، فعاد إلى مكّة سالمًا غانمًا منتصرًا، وتحقّق وعد الله.
عبادَ الله، يُخطئ من يحصُر معنَى النصر في صورةٍ واحدة، ذلك أنَّ للنّصر مفهومًا أوسَع وصوَرًا أشمَل، فالذي يلتزم بالإسلام ويتغلّب على لذَّاتِه المحرَّمة ونفسِه الأمّارة بالسّوء يغدو منتصِرًا. ومِن معاني النصرِ أن يلقى المسلم ربَّه وهو راضٍ عنه. ومن معاني النّصر الثباتُ على الدّين في المِحن والعزّة بالإيمان في المِحن، فإبراهيم عليه السلام ألقي في النّار بعدَ أن كشف زيفَ الباطل وثبَت على عقيدتِه، وكان هذا أنصارًا، قال تعالى: قُلْنَا يانَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَامَا عَلَى إِبْراهِيمَ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ [الأنبياء:69، 70] .
سحرةُ فرعون هدّدهم بالقتل هدَّدهم بالتعذيب، فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ [آل عمران:146] ، وكان هذا نصرًا للعقيدة والدّين، قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:50، 51] .
الغلامُ المؤمن في قومِه ماتَ منتصرًا، فقد أحيى الله بموتِه أمّةً مِن النّاس حين آمنوا بالله ربِّ الغلام، قال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51] .
يقول المفسِّرون: إنَّ الله سبحانه ينصُر رسلَه والمؤمنين به في الحياة الدنيا وإن اختلفت صورُ النصر، فمنهم من يمكِّنهم الله سبحانه حتى يظهَروا على عدوّه ويغلبوه وينتصروا عليه، ومِنهم من يعجِّل الله العذاب لأقوامِهم المكذّبين لهم، ومنهم من يسلّط الله عليه القتل، ومِنهم مَن يسلَّط عليهم بعد قتلهم أنبياءَهم من ينتقِم للأنبياءِ وينتصرُ لهم.