ويقول المفسِّرون: ولهذا أهلك الله عزَّ وجلّ قومَ نوح وعادٍ وثمود وأصحابَ الرسّ وقومَ لوط وأهلَ مدين وأشباههم وأحزابَهم ممّن كذّب الرسلَ وخالف الحقَّ، وأنجى الله تعالى مِن بينهم المؤمنين، فلم يُهلك منهم أحدًا.
ويقول المفسِّرون: لم يبعث الله عزّ وجلّ رسولًا إلى قومه فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتَلون، فيذهب ذلك القَرن حتّى يبعثَ الله تبارك وتعالى لهم من ينصُرهم، فيطلب بدمائهم ممَّن فعَل ذلك في الدنيا، فكانت الأنبياء والمؤمنون يُقتَلون في الدنيا، وهم منصورون فيها. انتهى.
لقد كان الله سبحانه قادرًا أن يمنَح النصرَ لنبيِّه ولدعوته ولدينه منذ اللحظةِ الأولى مِن غزوة أحُد بلا كللٍ ولا ملل، بلا كلل من المؤمنين ولا عناء، ولكن المسألة ليسَت هي النصر فحَسب، إنّما هي التربية على الثبات، إنّما هي الصّبر على البلاء والشدّة، إنّما هي تزكية النّفوس وإصلاحها.
إنَّ إيمانَنا بأنَّ المستقبَل لهذا الدين يمنحُنا الأمَل الذي يدفعنا إلى العِلم والعمَل للوصول إلى النصر بترسيخ العقيدةِ والإخلاص في العبادة، وتصحيح معاملاتِنا، وسموّ أخلاقِنا، مع إعداد العدّة، وإذا ظلّ الإيمان ـ عبادَ الله ـ لم يتحقَّق في القلب ولم ترسَخ العقيدة في النّفوس فإنَّ الطغيان يغلِب والباطلَ ينتفش؛ لأنهما يملِكان قوَّة ماديّة.
إذا أراد المسلمون نصرَ الله فسبيل ذلك أن ينصُروا اللهَ أولًا في أنفسِهم، أن ينصروا اللهَ في أُسرِهم وبيوتِهم، أن ينصُروا لله في مجتمَعهم وفي معاملاتِهم، فيحكِّموا شرعَه ويطبِّقوا شريعتَه. إنَّك بهذا تهزِم عدوَّك نفسيًّا من داخِله باعتزازِك بدينك وثباتِك على منهجك والدعوةِ إلى الله، إنّه يريدك أن تكون من حزبِه، قال تعالى: وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ [النساء:89] ، وقال تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الزخرف:43] .
إخوةَ الإسلام، إنَّ أساسَ النّصر الحقيقيّ تحقيقُ العبوديّة في القلب والانتصار على النفس، قال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئًا [النور:55] ، ولكنَّنا نُغلب حين نختلِف ونتنازَع فنفشل وتذهَب ريحنا، ونُهزَم حين تفسد النيات والمقاصِد، وتحلّ الدنيا في قلوبنا محلَّ الآخرة، قال تعالى: إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ [آل عمران:160] .
لقد تحوّل نصرُ المؤمنين إلى هزيمةٍ في أحُد لمخالفةِ نفَرٍ من أصحاب رسول الله لأمرٍ من أوامِره دونَ قصدٍ منهم أو فسادٍ منهم، وكان الدّرس أليمًا والعقاب قاسيًا، ولذا لا تعجَب لِما حلّ بالمسلمين في هذه الأيّام العصيبَة من تمزيقِ الشّمل وذهابِ الشوكة، قال تعالى: أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَاذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] .